بطرس الخوري

الدولة التي يحكمونها.....والدولة التي يحاكمونها

3 دقائق للقراءة

المفارقة الكبرى في خطاب حزب الله اليوم أنه يشن حملة على الدولة اللبنانية، فيما هو أحد أبرز صانعي سياساتها منذ أكثر من ثلاثة عقود.

إنها الدولة نفسها التي دخل مؤسساتها منذ انتخابات عام 1992، وشارك في حكوماتها المتعاقبة، وسيطر مع حلفائه على أكثرية برلمانية في مراحل عديدة. وهي الدولة نفسها التي عطّل مؤسساتها الدستورية أكثر من سنتين حتى فرض انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية. وهي الدولة نفسها التي أخضعها بقوة السلاح في السابع من أيار، ورسّخ معادلة أن الكلمة الأخيرة ليست للدستور بل للبندقية.

وهي أيضاً الدولة التي فرض عليها حكومة حسان دياب، حكومة الانهيار والعزلة والانفجار المالي، ثم بقي شريكاً في كل الحكومات التي تلتها، ولم يتخلّ يوماً عن مقاعده الوزارية ولا عن نوابه ولا عن نفوذه داخل الإدارة.

فكيف يتحول شريك السلطة إلى معارض للدولة؟ وكيف يصبح من أمضى أكثر من ثلاثين عاماً ممسكاً بمفاصل القرار وكأنه خارج الحكم.

الحقيقة أن الحزب لا يعارض الدولة، بل يعارض فقط الدولة عندما تحاول أن تتصرف كدولة. يريدها ضعيفة أمامه، قوية في خدمته؛ ممولة من دافعي الضرائب، لكنها ممنوعة من امتلاك قرارها؛ مسؤولة عن إعادة الإعمار، لكنها محرومة من قرار الحرب والسلم.

الأكثر فجاجة هو التناقض في ملف المفاوضات.

فالحزب يلتزم الصمت، بل يبارك، عندما تفاوض إيران الولايات المتحدة. لا يعتبر ذلك استسلاماً ولا تطبيعاً ولا خيانة، بل "حكمة سياسية" و"إدارة للصراع". أما عندما تتفاوض الدولة اللبنانية، صاحبة الأرض والحدود والمواطنين، لحماية سيادتها أو تثبيت حقوقها أو تنفيذ اتفاقات وافقت عليها هي نفسها، تتحول المفاوضات فجأة إلى جريمة وطنية.

بأي منطق تصبح المفاوضات حقاً لإيران وحراماً على لبنان؟

إذا كانت طهران حرة في الدفاع عن مصالحها عبر التفاوض، فلماذا يُمنع اللبنانيون من الدفاع عن مصالحهم بالطريقة نفسها؟ وإذا كان التفاوض أداة سياسية مشروعة، فلماذا يصبح خيانة فقط عندما يكون القرار لبنانياً لا إيرانياً؟

الجواب واضح: لأن المعيار ليس المبدأ، بل المصلحة. ما يخدم المشروع الإيراني مشروع، وما يخدم الدولة اللبنانية مرفوض. وما يقرره الولي الفقيه يُقدَّم على ما تقرره المؤسسات اللبنانية.

لقد بنى حزب الله نفوذه على معادلة خطيرة: أن يبقى داخل الدولة ليستفيد من شرعيتها وأموالها ومؤسساتها، وخارج الدولة عندما يتعلق الأمر بالقرار السيادي. يريد امتيازات السلطة من دون أن يتحمل مسؤولياتها، ويريد أن يحاسب الجميع فيما لا يحاسبه أحد.

هذا ليس دفاعاً عن لبنان، بل مصادرة للبنان. وليس حماية للدولة، بل استخدام لها عندما تخدم المشروع، والانقلاب عليها عندما تعارضه.

من يريد إسقاط اتفاق أو مفاوضات، فليخرج أولاً من الحكومة، وليستقل من البرلمان، وليتخلَّ عن كل الشرعية التي تمنحها له الدولة التي يتهمها اليوم بالخيانة. أما أن يبقى شريكاً في الحكم، ويتمتع بكل امتيازاته، ثم يهاجم الدولة لأنها تمارس صلاحياتها، فذلك ليس موقفاً وطنياً، بل قمة الازدواجية السياسية والنفاق في إدارة الشأن العام.