منذ اللحظة التي وقف فيها آدم وحواء في الفردوس، لم يكن ينقصهما شيء. لم يكن هناك سؤال، لأن السؤال يولد من النقص. ولم تكن هناك رغبة، لأن الرغبة تولد من الفراغ. ولم يكن هناك خوف، لأن الخوف يولد عندما يشعر الإنسان أن عليه أن يحمي نفسه بنفسه.
كل شيء كان يُعطى قبل أن يُطلب.
لهذا لم يقل المسيح عبثًا: انظروا إلى طيور السماء. إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها. ليست الطيور مثالًا على الكسل، بل على الحرية. إنها تعيش خارج اقتصاد القلق. لا تفاوض الحياة، ولا تبتز المستقبل، ولا تبني هويتها على الخوف من الغد.
وهكذا كان الإنسان، حرًا.
ليس لأنه كان يعرف كل شيء، بل لأنه لم يكن يحتاج إلى أن يعرف كل شيء.
لكن الإنسان لم يشتهِ المعرفة المطلقة. وهذه مفارقة يغفل عنها كثيرون. لقد اشتهى معرفة واحدة فقط: معرفة الخير والشر.
وهنا بدأت المأساة.
ليس لأن المعرفة شر، بل لأن الإنسان قرر أن يرى الوجود من خلال ميزان لم يكن قد خُلق ليحملَه. منذ تلك اللحظة، صار كل شيء يُقاس. هذا صالح، هذا فاسد، هذا يستحق، هذا لا يستحق، هذا قريب وهذا بعيد.
أليس هو هذا الجحيم الحقيقي؟ أن يتحول الوجود كله إلى محكمة؟
لكن هل الله نفسه يعيش داخل هذه المحكمة؟ أم أن الله لا يرى العالم كما نراه نحن؟ نحن نقرأ الكتاب المقدس كأن الله يحاسب البشر بين الأبيض والأسود.
لكنّ الإنجيل كله ينفجر في وجه هذه الفكرة. الله يجعل شمسه تشرق على الأبرار والأشرار. المسيح يغفر لصالبيه وهم لا يطلبون الغفران ويجلس مع الخطأة قبل أن يتوبوا.
بل إن ذروة الصليب لم تكن انتصار العدالة، بل انتصار المحبة.
وهنا، يدخل أفلاطون " كإنجيليّ " إلى القصة. ليس لأنه فضح الله. بل لأنه فضح قراءتنا لله.
لدى أفلاطون نظرية عالم المُثُل وهو عالمٌ غير مرئيّ، لا يُدرك بالحواس بل بالعقل، حيث توجد الصور الكاملة والثابتة لكل ما نراه في الواقع.
ويعطي مثلاً شهير ليوضّح لنا الصورة، وهي " أسطورة الكهف " فيخبرنا أن البشر يعيشون داخل كهف، ويرون الظلال ويظنونها الحقيقة. وإذا خرج أحداً خارج الكهف رأى الشّمس. إذاً اكتشف حقيقة الظلال.
والمسيحية تفترض إن الإنسان يعيش في عالم مليء بالنقص والمعاناة.
كم يبدو التشابه مذهلًا.
لكن المفارقة أن كثيرين قرأوا سفر التكوين بالطريقة نفسها التي قرأ بها سجناء الكهف ظلال الجدار.
قيلَ لنا إن الله أدخل الإنسان إلى الجنة ثم أخرجه منها. وكأن الجنة عنوان جغرافي أو أن الملكوت مكان ينتظرنا بعد الموت.
لكن المسيح يقلب المشهد كله، ألم يَقُل، إن ملكوت الله في داخلكم؟
كشف لنا أنه حاضر لمن أراد أن يراه.
إذاً...
ماذا لو لم يكن الإنسان قد خرج من الجنة أصلًا؟ ماذا لو كانت الجنة لا تزال هنا؟ وماذا لو أن الذي انطفأ لم يكن الفردوس، بل بصيرتنا؟
تخيل غرفة يغمرها الضوء، أشجار، ثمار، أنهار، حيوانات، حياة ثم يطفئ أحدهم النور.
فجأة يصبح كل شيء تهديدًا.
يُسمع زئير الأسد، يُسمع صرير الحشرات، يهب البرد ولا يرى الإنسان شيئًا.
فبدل أن ينتظر عودة النور، يبدأ بإدارة الظلام.
يقطع الأشجار ليصنع نارًا، يقتل الحيوانات ليضمن بقاءه، يبني الجدران لأنه لم يعد يثق بالأفق، ويخزن الطعام لأنه لم يعد يثق بالعطاء.
ويخترع الحضارة كلها...
لا لأنها كانت حلمه، بل لأنها أصبحت تعويضًا عن خوفه.
وهكذا صار العالم مشروعًا للسيطرة، بعد أن كان هدية للمحبة.
لعل الخروج من الجنة لم يكن انتقالًا في المكان، بل انتقالًا في الوعي ولعل السقوط لم يكن سقوط الإنسان إلى الأرض، بل سقوط بصيرته.
فالأرض نفسها لم تتغير، الذي تغير هو الإنسان، لهذا لم يأتِ المسيح ليعيد البشر إلى حديقة ضائعة في الماضي بل ليعيد الحديقة إلى داخل البشر.
لم يؤسس مشروعًا للهروب من العالم، بل ليعيد المشروع القديم لرؤية العالم بالعين الأصيلة.
كانت معجزاته، وأمثاله، وغفرانه، وموته، وقيامته، أشبه بورشة هائلة داخل الإنسان؛ ورشة لإعادة تشكيل البصر، لا لتغيير المشهد.
فالملكوت ليس مكانًا آخر...
إنه الطريقة الأخرى لرؤية المكان نفسه وهنا يصبح أفلاطون، من حيث لا يدري، شاهدًا للمسيح.
فالخروج من الكهف ليس انتقالًا إلى عالم آخر، بل اكتشاف أن الشمس كانت موجودة دائمًا، وأن الظلال لم تكن سوى سوء فهم معقّد للواقع.
فربما لم يطردنا الله من عدن.
ربما نحن الذين خرجنا من أنفسنا.
وحين نعود إلى الصورة التي خُلقنا عليها، إلى صورة الله ومثاله، لن نجد طريقًا يقود إلى الجنة...
بل سنكتشف، بارتجافة مهيبة، أننا لم نغادرها قط.