قبيل منتصف الليل بدقائق بدأت قذائف الهاون تمر فوق رؤوسنا لتتساقط على المواقع المعادية. وسرعان ما أعطينا الأمر بالهجوم. باشرنا التقدم صعودًا على التلة نتعثر بالصخر حينًا وحيّنا نقع في الشوك. وقبل الوصول إلى القمة سمعت أحدهم يصرخ بلهجة بشرانية قائلًا: "أنت مين؟ اسم أبيك واسم أمك؟" إنهم عناصر لواء المقدمين من عائلة طوق، كانوا يتقدمون إلى يسارنا وقد التقوا بعض رفاقنا. أُطلِقت النار ابتهاجًا بسقوط التلة ولم يُصب أحد منا في حين وقع في صفوف العدو عدد من الجرحى شاهدنا آثار دمائهم وأسلحتهم عند الصباح.
اليوم الثاني 6 تموز 1976 صباحًا، ظهرت معالم الأرض، الشمس محرقة ورصاص المضاد ينطلق من المراكز المعادية لينفجر في الهواء أو على الصخور بيننا.
قبل الظهر وصل شبل عيسى الخوري وشرع يراقب بمنظار سير المعركة من وراء أحد الصخور ولم تلبث أن أصابته رصاصة في رأسه فسقط أرضًا. أسرع رفيقي مارون يونس تحت وابل من الرصاص وحمله إلى الخطوط الخلفية ثم إلى مستوصف ميداني في كنيسة مار سابا عبدين حيث أُجريت له إسعافات أولية نُقل بعدها إلى مستشفى البترون. ولم يلبث أن استشهد بعد أيام.
من موقعنا جلست أراقب سير المعركة خصوصًا حول كنيسة مار جرجس في محيط أميون. وكنت أرى قذائف الهاون تتساقط وعناصر العدو تهرب كما شاهدت انفجار آلية (ب 10) تابعة لـ"لواء المقدمين" قبالة مار جرجس فاعتقدت أنها أصيبت فتأثرت جدًّا، وتبين لي فيما بعد أنها هي التي تَقصف ولم أكن قد ألفت هذه الأمور بعد.
على المحاور الأخرى كان سمير جعجع يقود هجومًا رئيسيًّا على سرايا أميون وهو محور أساسي تمركزت فيه قوة كبيرة من الفلسطينيين وأعوانهم، ودارت معركة ضارية على هذا المحور سقط لنا خلالها أصغر شهيد هو طوني فهد من بشري، عمره 13 سنة، كان يمازحه الدكتور جعجع قائلًا: "سأجعل منك نائبًا عن منطقة بشري…".
في مقابل الهجوم الذي قاده الدكتور جعجع، تقدّم الزغرتاويون شمالًا لجهة بترومين ومعهم الأب سمعان الدويهي. وتم تقدّم آخر جنوب شكا لناحية البترون حيث حصلت مواجهة عنيفة. ومساء هذا اليوم السادس من تموز وصلت الساعة السابعة مساء البرقية التالية إلى العمليات المركزية:
"تقدمت عناصرنا حتى منزل الكتائب في شكا. يوجد الآن إطلاق نار وقصف مدفعي. عدد عناصرنا يتراوح ما بين 850 و 900. زار المركز (العنيد) الشيخ أمين الجميل والدكتور جورج سعادة، وغيث خوري. يوجد قتيل من العاقورة وآخر من ميفوق. جريحان من حالات وما يقارب العشرين جريحًا بعضهم غادر المستشفى. يوجد قتيلان من كفرعبيدا. أما شكا العتيقة فلا تزال بيد العدو". وقد طلب الشيخ أمين الجميل في برقية مستعجلة إلى بيروت قذائف من عيار 160 ملم فكان الجواب أن القذائف غير متوفرة… وتم إرسال ذخيرة للأسلحة الخفيفة.
وفيما كانت البرقيات تنهال على بيت الكتائب المركزي تطالب بآليات ثقيلة (مصفحات وملالات) للهجوم على شكا، وصلت برقية تفيد بأن "قوى الأحزاب اللبنانية" بقيادة الدكتور سمير جعجع احتلت سرايا أميون وأسرت سبعة وخمسين مسلحًا واستولت على ملالة وأسلحة ثقيلة وخفيفة. وأفادت أنباء أخرى أن الزغرتاويين على أبواب بشمرين.
في الوقت عينه دارت معارك على محور رأس نحاش – حامات شاركت فيها فرقة الكومندوس الأولى (كتائب) جنبًا إلى جنب مع كتائبيين من كفرعبيدا وكور الجندي البترون. واضطروا يومها إلى تسلق جبل النورية بواسطة الحبال وهذا ما دفع بالمهاجمين إلى التراجع ووقف الهجوم على البترون بعدما أظهرت المقاومة اللبنانية بسالة وشجاعة لا مثيل لها وقرعت أجراس سيدة النورية ابتهاجًا هذه المرة بتحرير المواقع.
وفي السابع من تموز تمكنت "القوات اللبنانية" من التوغل في أحياء بلدة أميون، فيما تقدمت قوات أخرى في اتجاه القويطع وطهّرت قرى كفتون وبتعبورة واجدعبرين وكفرحاتا حيث أقامت حاجزًا عند مفترق منزل الدكتور إلياس سابا على تلة تتحكم برأس نحاش ثم أكملت طريقها إلى كفريا المشرفة على شكا.
ومن كفرحاتا تابعت وحدة من قوى الأحزاب اللبنانية طريقها إلى رأس نحاش المواجهة لحامات والمشرفة على شكا. ولم يكد ينتصف النهار حتى تمكنت من صدّ المهاجمين عند مفرق الأرز في شكا فدفعوا بهم حتى مدخل شركة الإسمنت الجديدة وتم تحرير الجهة الشرقية لشكا القديمة.
وما إن شارفت الشمس على المغيب حتى كانت أميون بكاملها قد تمّ تحريرها بأيدي المقاومين اللبنانيين وتمت السيطرة نهائيًّا على محور بصرما – بطرّام، وبدأت مدفعية "القوات اللبنانية" بقصف مواقع الخليط المسلح في منطقة البحصاص (مدخل طرابلس الجنوبي) لقطع الإمدادات عن الفلسطينيين والقوات المشتركة المتمركزين في أنفه، في حين كانت قوات مسيحية أخرى تتمركز على مشارف كفرحزير تمهيدًا لإحكام الطوق على شكا من كل الجهات…
يتبع