يمكن تفسير الاستراتيجية المنسوبة إلى المشروع الإيراني في لبنان على أنها تقوم على امتلاك "حل" استراتيجي ثابت، ثم البحث الدائم عن "المشكلة" التي تبرر استمراره وتوسعه. ومن هذا المنطلق، تُقدَّم "المقاومة" باعتبارها الحل، فيما تتبدل الظروف والعناوين والذرائع التي تُستخدم لتبرير استمرار هذا الدور. فمن تحرير جنوب لبنان، إلى قضية مزارع شبعا، ثم حرب عام 2006، وصولا إلى شعار "إسناد غزة"، ثم ما وُصف بالثأر لاغتيال قادة إيرانيين، بقيت العناوين تتغير بينما ظل المشروع نفسه ثابتًا. فالمشكلة تتبدل، أما "الحل" فيبقى واحدًا: استمرار "المقاومة"، بما يجعل كل مرحلة تبحث عن مبرر جديد يضمن بقاء هذا النموذج ودوره في المعادلة اللبنانية.
وبحسب هذا المنظور، فإن المسار الذي بدأ مع الإمام موسى الصدر وحركة "المحرومين"، ثم تطور عبر حركة "أمل"، وصولا إلى "حزب الله" ضمن مشروع ولاية الفقيه، لا يُقرأ باعتباره مجرد استجابة ظرفية لمواجهة إسرائيلية، بل كمشروع استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى داخل لبنان.
وفي هذا السياق، تحوّلت الأزمات الداخلية والإقليمية إلى عوامل تعيد إنتاج الخطاب الذي يبرر استمرار "حل المقاومة" ويعزز حضوره السياسي والعسكري. ومع مرور الوقت، لم يعد السلاح سوى أحد مكونات هذا "الحل"، بل توسّع المشروع ليشمل منظومة تضم مؤسسات تربوية وجامعات ومستشفيات وجمعيات وشبكات خدمات وإعلامًا ومؤسسات مالية واقتصادًا خاصًا وأجهزة أمنية، إلى جانب شبكة نفوذ مكّنته من السيطرة على موارد الدولة وسرقتها والتأثير في قراراتها.
وعندما تصبح "المقاومة" هي الحل، يصبح استمرار وجود مشكلة تبررها ضرورة دائمة. ولتحقيق هذا الهدف، اتسم المشروع بدرجة عالية من البراغماتية السياسية، فلم تكن التحالفات ثابتة أو محكومة باعتبارات أيديولوجية جامدة، بل تبدلت وفقًا لمصلحة المشروع في كل مرحلة. إلا أن الثابت الوحيد بقي العلاقة الوثيقة مع إيران، بما تتضمنه من ارتباط سياسي وعقائدي، ودعم مالي وعسكري ولوجستي شكّل أحد أهم عوامل استمرارية المشروع وقدرته على الصمود والتوسع.
ولم تكن الأدوات مقتصرة على السلاح والمؤسسات الموازية، بل تجاوزتها لتشمل المفاوضات والحروب والهدنات، باعتبارها جميعًا وسائل تُستخدم لخدمة الأهداف الاستراتيجية الإقليمية للمشروع. وفي الداخل اللبناني، استُخدمت المحاصصة والزبائنية والفساد لترسيخ النفوذ السياسي وتوسيع شبكات الولاء وتعزيز السيطرة على الدولة ومواردها.
وهكذا نشأت في لبنان دويلة موازية تمتلك سلاحها ومؤسساتها ومصادر تمويلها وقرارها الأمني وعلاقاتها الخارجية، وتمكنت تدريجيًا من فرض نفوذها على مؤسسات الدولة، إلى أن أصبح القرار الوطني، ولا سيما قرار الحرب والسلم، يُتخذ عمليًا من قبل الدويلة.
واليوم، يدفع اللبنانيون ثمن هذا "الحل" وما رتّبه من حروب وأزمات وانقسامات، إلى جانب ترسيخ الزبائنية والفساد واستنزاف الدولة. لقد بقي لبنان لعقود يدور في حلقة مفرغة: فكلما برزت فرصة لترسيخ الاستقرار وإعادة بناء الدولة، ظهرت أزمة أو مواجهة جديدة أعادت إنتاج مبررات "المقاومة" وأدخلت البلاد مجددًا في دوامة الصراعات الإقليمية.
فهل حان الوقت لكسر هذه الحلقة المفرغة؟ وهل آن الأوان لإنهاء معادلة "المشكلة- المقاومة" كبديل عن الدولة، عبر توقيع سلام يضع حدًّا لحالة الحرب المفتوحة مع إسرائيل، ويُسقط الذريعة الأساسية التي استند إليها هذا المشروع لعقود، ويعيد حصر قرار الدفاع والأمن بالمؤسسات الشرعية وحدها؟ فبانتهاء مبرر الصراع الدائم مع إسرائيل، ينتفي الأساس الذي قامت عليه فكرة "المقاومة" كحل دائم.
وفي الوقت نفسه، لم يعد مقبولا أن يستمر اللبنانيون في تمويل، عبر ضرائبهم وأموالهم، منظومة كرّست الفساد والارتهان وأبقت الدولة رهينة لمصالح القوى المسلحة، وفي مقدمتها ثنائية "حزب الله- حركة أمل". إن استعادة الدولة تتطلب ضغطًا شعبيًا سلميًا ومنظمًا لوقف الهدر والتدفقات المالية التي تغذي هذه المنظومة، وإخضاع المال العام بالكامل لسلطة الدولة.
كما أثبتت التجربة أن النظام المركزي القائم فشل في إدارة التنوع اللبناني وبناء دولة عادلة وفعالة، ما يفرض فتح نقاش وطني جدي حول الانتقال إلى نظام اتحادي يعيد توزيع الصلاحيات والمسؤوليات، ويضمن الشراكة والمحاسبة والتنمية، مع الحفاظ على وحدة لبنان وسيادته. فمستقبل البلاد لا يمكن أن يقوم على تسويات موقتة أو موازين قوى متقلبة، بل على عقد وطني جديد يرتكز إلى السلام، وسيادة الدولة، والإصلاح البنيوي. ويبقى السؤال: هل اللبنانيون مستعدون لتنظيم أنفسهم والنزول إلى الشارع بصورة سلمية للضغط من أجل بناء دولة حديثة قائمة على سيادة القانون والفدرالية؟
نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ