واشنطن
مع حلول ذكرى هجوم "حماس" على إسرائيل في 7 تشرين الأول، تواصل واشنطن تركيز جهودها على واحد من أبرز تداعياته: الجبهة الجنوبية للبنان والشمالية لإسرائيل. وتشير مصادر أميركية إلى أن تحوّل لبنان إلى ساحة مباشرة للحرب كشف ليس فقط عن هشاشة الدولة اللبنانية المنهكة، بل أيضًا عن مدى اهتمام واشنطن بمصير هذا البلد. فقرار "حزب الله" بفتح جبهة شمالية تضامنًا مع "حماس" لم يربط مصير لبنان بغزة فحسب، بل دفع الولايات المتحدة، بحسب دبلوماسي أميركي، إلى مواجهة سؤال دقيق: هل ستدعم واشنطن لبنان لاغتنام هذه الفرصة التاريخية وبناء دولة قوية، أم ستكتفي مجددًا بمراقبة المسؤولين اللبنانيين وهم يضيّعون اللحظة؟
يوضح الدبلوماسي الأميركي أن تحرك "حزب الله" عقب أحداث 7 تشرين الأول كان خطوة محسوبة (حسب تعبير الحزب) لإظهار التضامن مع الفلسطينيين المحاصرين. وزعم "الحزب" أنه سيُظهر وحدة إقليمية ويُكبّد إسرائيل خسائر، مع إبقاء الصراع دون عتبة الحرب الشاملة. إلا أن الدبلوماسي يرى أن هذه الخطوة كانت مقامرة متهورة، جعلت لبنان المفلس والمشلول سياسيًّا يدفع الثمن الأكبر: نزوح جماعي، وتدمير واسع، واقتصاد يزداد انهيارًا، في ظل خطر دائم لتجدد المواجهة.
ويؤكد خبراء أميركيون أن "حزب الله" تكبّد خسائر غير مسبوقة على مستوى القيادة والبنية العسكرية والردع، لكن الضرر الأكبر أصاب لبنان ككل. وهذه الحقيقة الجوهرية لا يمكن لـ "حزب الله" أو لأي مسؤول لبناني إخفاؤها.
ويقول الخبراء إن التوازن الذي حافظت عليه إسرائيل لسنوات لعب دور الردع المتبادل. لكن 7 تشرين الأول حطّم هذا الإطار. فإسرائيل لم تعد تتعامل مع إطلاق النار عبر الحدود كأمر اعتيادي، بل بات وجود "حزب الله" قرب الحدود خطرًا غير مقبول سياسيًّا وعسكريًّا. هكذا تحوّل التصعيد من جبهة دعم لغزة إلى جبهة مفتوحة في لبنان، ما منح إسرائيل الذريعة لتوجيه ضربات قاسية إلى "حزب الله" ولبنان معًا.
ويضيف دبلوماسي أميركي أن الخسائر السياسية هي بالقدر نفسه من الخطورة. فقد تحوّل لبنان إلى ساحة حرب لا بتوافق وطني، بل لأن فصيلا واحدًا اتخذ قرارات الحرب والسلام نيابة عن بلد بأكمله، مضيفًا أن هذه الأزمة كشفت عن الإفلاس الجوهري لنموذج لبنان: سيادة اسمية، وواقع من الشلل والعجز.
واقع لم يعد قابلا للاستمرار
وترى المصادر الأميركية أن سياسة واشنطن تجاه لبنان ليست قابلة للاستمرار بمنطق "إدارة الأزمات". فالإدارات الأميركية دعمت دولة لا تسيطر فعليًّا على أراضيها. من هنا، تعتبر هذه المصادر أن "إسناد غزة" بدّد هذا الترتيب وجعله غير قابل للاستمرار. واليوم، هناك "صيغة إطار" برعاية أميركية تفرض شروطًا صريحة تتمثل في تحمّل الدولة اللبنانية السلطة الأمنية بشكل مُثبَت ومُتحقَّق منه. وللمرة الأولى، تقول المصادر إن الحكومة اللبنانية التزمت مباشرة أمام إسرائيل والولايات المتحدة بنزع سلاح "حزب الله" بالكامل، وإنهاء النفوذ الإيراني، وإعادة السيطرة السيادية على الأراضي اللبنانية إلى الشعب اللبناني.
وتواجه واشنطن معضلة حقيقية في ظل تردد المسؤولين اللبنانيين في استثمار هذه الفرصة التاريخية لإعادة فرض سيادة الدولة. وتركز السياسة الأميركية حاليًّا على أربعة أهداف مترابطة: منع اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل و "حزب الله"، وتمكين الدولة والجيش اللبناني، والحد من إعادة تسلح "الحزب"، والحفاظ على المسار الدبلوماسي.
وكانت لافتة في هذا السياق الزيارة الأخيرة التي قام بها وفد من الكونغرس الأميركي برئاسة النائبين جوش غوتهايمر ودارين لحود، والتي شددت على ضرورة تنفيذ التزامات لبنان بموجب "صيغة الإطار الثلاثي". وقد ضغط الوفد بشكل مباشر على المسؤولين اللبنانيين من أجل نزع سلاح "حزب الله" بشكل كامل وقابل للتحقق، وقطع نفوذ إيران المالي والسياسي في لبنان. وشدد أعضاء الوفد على أن استمرار الدعم الأميركي للبنان سيصبح مشروطًا بإحراز تقدم ملموس في هذه الملفات، ما يعكس تصاعد حدة الضغوط الأميركية والجدية غير المسبوقة في ربط أي مساعدات مستقبلية بمدى التزام الحكومة اللبنانية بتفكيك بنية "حزب الله" وإعادة السلطة الكاملة للدولة.
ويحذر دبلوماسي أميركي من أن المخاطر قد تكون جسيمة إذا استمر لبنان في الالتفاف حول المطالب الأميركية. فواشنطن أصبحت مستعدة للضغط على لبنان من خلال الشروط التي ستترافق مع الدعم السياسي والموارد. ويؤكد مصدر في الكونغرس أن لبنان بات على أعتاب إعلان فشل القيادة السياسية في تنفيذ التزاماتها، وأبرزها نزع سلاح "حزب الله"، مشيرًا إلى أن الطبقة السياسية تكتفي بالشعارات ولا تمتلك الإرادة لتحويل السيادة إلى واقع.
وتختم المصادر الأميركية بالتأكيد أن واشنطن لا تعتقد أن خسائر "حزب الله" الميدانية ستؤدي تلقائيًّا إلى إضعافه سياسيًّا، لكنها، في الوقت ذاته، لم تعد مستعدة للقبول باستمرار الوضع الراهن، وهنا تكمن الخطورة.
لقد كشفت أحداث 7 تشرين الأول عن التكلفة الفعلية لتأجيل معالجة أزمة السيادة في لبنان، وأثبتت أن الاستمرار في الترقيع وإدارة الأزمات سيجعل من لبنان رهينة دائمة للصراعات الإقليمية.
واليوم، ومع هذا الضغط الأميركي غير المسبوق، سواء عبر الدبلوماسية أو زيارات الوفود البرلمانية التي تربط أي دعم بمسار واضح لنزع سلاح "حزب الله" وإنهاء النفوذ الإيراني، لم يعد لدى القادة اللبنانيين ترف التأجيل أو الاكتفاء بالشعارات. فإذا استمر التردد أو العجز عن اتخاذ قرارات مصيرية، لن يكون لبنان بصدد تفادي حرب جديدة أو الحفاظ على استقراره، بل سيكرّس هشاشته ويعرّض شعبه وسيادته لمخاطر أكبر.
النافذة لا تزال مفتوحة أمام الدولة لاستعادة قرارها السيادي، لكنها تضيق بسرعة، والفشل في اغتنام الفرصة سيعني مزيدًا من العزلة والانهيار، وترك مصير لبنان رهينة لأطراف خارجية لا تكترث بمصلحة شعبه.