ألان سركيس

بري بين الانتظار أو مباركة الانتحار

3 دقائق للقراءة
يراقب بري التحولات ويعرف أن الاحتقان يتراكم داخل بيئته

يسقط الجنوب قطعةً قطعة. فتلة علي الطاهر فُجّرت أنفاقها. اقترب التهديد من النبطية، عاصمة جبل عامل. انتشر الجيش اللبناني تحت غطاء ونداء شعبي متصاعد. وخرج نداء النبطية الثاني ليطالب الدولة بالدخول وحماية المدينة وأهلها وسارع الرئيس جوزاف عون إلى زارتها، فيما بقي "حزب الله" في موقع القتال، وبقيت إيران خلف المشهد. وبين كل هذه التطورات وجد رئيس مجلس النواب نبيه بري نفسه أمام أخطر لحظة سياسية في مسيرته.

يتغيّر المشهد في الجنوب بسرعة. لم تعد المسألة موقعًا عسكريًا سقط أو نفقًا دُمّر. تُستنزف قرى. تُهدم بيوت. تتوقف مصالح. تنزح عائلات. وتُضرب منطقة شكّلت لعقود العمق الاجتماعي والاقتصادي للشيعة في لبنان. لذلك يتسع السؤال داخل البيئة الشيعية: ماذا فعلت إيران بالجنوب؟ وهل تُرك الشيعة لمصيرهم بعدما تحوّل لبنان إلى ساحة في حرب أكبر منه؟

يتصاعد الاعتراض، يتردّد كلام كان من الصعب قوله علنًا، إيران باعت شيعة لبنان، وباعت الجنوب وجبل عامل. وتركت "الحزب" يخوض حربًا يدفع أهل الجنوب ثمنها. ويخشى كثيرون أن ينتقل نموذج غزة إلى لبنان، وأن تتحول الحرب من مواجهة مع إسرائيل إلى كارثة تطاول البيئة الشيعية نفسها.

يراقب بري هذا التحول. يعرف أن الاحتقان يتراكم داخل بيئته. ويعرف أن المسافة بين حركة "أمل" و"حزب الله" لم تعد مجرد تباين سياسي. ظهر التوتر في عربصاليم وظهرت إشارات أخرى في الضاحية وتتحرك نار تحت الرماد. لذلك يضع بري خطًّا أحمر أمام الاقتتال الشيعي ـ الشيعي، لأنه يعرف أن انفجاره قد يفتح بابًا لا يستطيع أحد إغلاقه.

يواجه بري اليوم خيارين لا ثالث لهما. ينتظر، فيحافظ على الحد الأدنى من وحدة البيت الشيعي، لكنه يشاهد الجنوب يُستنزف ويخسر المزيد من رصيده داخل بيئته وهو الذي قال إن إسرائيل قادرة على احتلال الجنوب. أو يتدخل، فيدفع باتجاه استعادة الدولة قرارها ووقف مسار الحرب، لكنه يصطدم بـ"حزب الله" وبمنظومة عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

يتحرك بري بين الخيارين. يسمح للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى باستضافة السفير الأميركي ميشال عيسى لبحث مستقبل الطائفة وموقعها ووجودها، ثم يرفع في المقابل سقف موقفه السياسي، فيرفض اتفاق الاطار ويعتبره ساقطًا. يرسل إشارات إلى الداخل والخارج. يحاول فتح باب من دون كسر الباب الآخر ويشتري الوقت، فيما الوقت يضيق.

يعرف بري أن المعادلة تبدّلت. لم تعد موازين القوى كما كانت. بات الجنوب والبقاع والضاحية أكثر انكشافًا أمام إسرائيل. ولم تعد الدولة قادرة على حماية مناطقها ما لم تستعد قرارها. والأهم أن بري يعرف أن القرار العسكري ليس في يده. فـ"الحزب" يمسك بالسلاح، والحرس الثوري الإيراني يمسك بمفاصل أساسية من القرار العسكري. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن "الحزب" لم يعد يتعامل مع بري وقيادته السياسية كما كان يفعل سابقًا.

يرى بري نكبة تتشكل أمامه. لا يريد أن يترك طائفته أمام مصير يشبه مصير غزة ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يذهب إلى مواجهة مفتوحة مع "حزب الله". يعرف أن أي صدام شيعي داخلي سيكون كارثيًا. لكنه يعرف أيضًا أن ترك الأمور على حالها قد يكون أكثر خطورة.

يختار بري حتى الآن الانتظار. لكن الانتظار ليس موقفًا إلى الأبد. فكل يوم يمرّ يعني مزيدًا من الدمار، ومزيداً من الغضب، ومزيدًا من تراجع الدولة. ويقترب بري من لحظة القرار، فإما أن يتدخل قبل أن يصبح الجنوب أمام أمر واقع جديد وإما أن ينتظر حتى يصبح الانتحار قرارًا لا يمكن التراجع عنه.