يستطيع مطوّبو البطريرك الياس الحويّك أن يعيدوا تأويل التاريخ بما يخدم روايتهم. لكنّهم لا يستطيعون تغيير حقائق هذه بعضها:
كان "لبنان الكبير" مشروعًا فُرض بقوّة السلاح الفرنسي على مسلميه. رفضه الشيعة في مؤتمر وادي الحجير، ثمّ تحوّل هذا الرفض إلى عنف دموي ضدّ مسيحيّين في جبل عامل. كما عارضه السنّة في مؤتمرات الساحل. عندما قال الحويّك: "إنّ موتنا بظلّ صخورنا خير لنا من الانضمام إلى دمشق، وإنّ قرنة صغيرة من لبنان خير لنا من سهول سورية الفسيحة"، كان يعبّر عن عصبيّة مارونيّة لبنانيّة مشروعة. لكنّها صارت إشكاليّة عندما فرضت لبنانها على جماعات لم تكن تريده.
لبنان الكبير منذ كان وطن مستحيل بسبب تماهي شرائح واسعة من مسلميه مع تيّارات دمّرته، من الناصريّة والعرفاتيّة، إلى إيران الملالي اليوم. ومع ذلك، يصعب لوم المسلمين على ضعف ارتباطهم بمشروع لم يكن مشروعهم أصلا. هل كان الموارنة موالين للسلطان العثماني، خليفة المسلمين، قبل قيام لبنان الكبير؟
والواقع أنّ توسيع المتصرّفيّة أضرّ أهلها قبل غيرهم لأنّهم عاشوا مذّاك صراعات أنهكتهم. وكانت السياسة استقرّت في المتصرّفيّة لسببين أساسيّين: شكّل مسيحيّوها أكثر من ثمانين في المئة من سكّانها، وكان الدروز فيها الطائفة الثانية عددًا، ما جعل هويّتها محليّة. لكنّ توسيع المتصرفيّة ورّط لبنان في معضلة بنيويّة: محاولة بناء دولة في وطن تتجاوز هويّة نصف سكانه، ثمّ ثلثيهم لاحقًا، حدوده.
للتذكير، الشهابيّة أكثر مدرسة مسيحيّة انفتاحًا على التفاهم مع المسلمين. وفؤاد بطرس شهابي بامتياز. ومع ذلك، خلص بطرس بعد أحداث 1958 إلى القول "إنّ البطريرك الحويّك والرئيس إدّه أخطآ بتوسيع مساحة لبنان إلى هذا الحدّ" (راجع كتاب مسؤوليّة فؤاد شهاب عن اتفاق القاهرة، صفحة 140).
والحال أنّ الاحتفاء الماروني الدائم بالحويّك الذي "أعاد لبنان إلى حدوده التاريخيّة" يثير السأم. لا حدود تاريخيّة للبنان، ولا لبنان أصلا قبل العام 1920. صحيح أنّ المعنيّين والشهابيّين سيطروا على مناطق واسعة ممّا أصبح لاحقًا لبنان، لكنّهم كانوا أمراء محليّين وجباة ضرائب ضمن السلطنة العثمانيّة. تمرّدهم عليها يجب فهمه ضمن صراعات عصرهم، لا كمشروع دولة لبنانيّة مكتمل سبق قيام لبنان الكبير.
علي بك الكبير ولاحقا محمّد علي باشا في مصر تمرّدا على أسيادهم العثمانيّين؛ وكذلك ضاهر العمر في عكّا؛ وعلي باشا جانبولاد في حلب؛ كما وسّع آل معن والأمير بشير الشهابي نفوذهم عندنا بالتحالف مع قوى إقليميّة ودوليّة. كان ذلك صراع نخب على السلطة، لا مشروع دولة وطنيّة. أمّا تحويل هذه الوقائع إلى مسار لبناني تاريخي انتهى بالحويّك، فليس سوى إعادة بناء انتقائيّة للماضي.
والحال أنّ نفوذ فخر الدين امتدّ إلى اللاذقيّة وحمص وعجلون وصفد، كما وصل نفوذ الأمير بشير إلى حوران. فإذا كانت السيطرة التاريخيّة هي معيار الحدود، فلماذا تكون طرابلس وعكّار داخل "حدود لبنان التاريخيّة"، كما يزعم بعضهم، بينما لا تكون اللاذقيّة أو حوران كذلك؟
ولا يعني ذلك أنّ لبنان، في ذاته، خطأ تاريخي. من حقّ المسيحيّين (والدروز) التمرّد على الذميّة. كرامة أبناء جبال لبنان أغلى عليهم من حياتهم. لكنّ خيار توسيع حدود المتصرّفيّة بالطريقة التي حدثت كان كارثيّا. سيكون حكم التاريخ قاسيًا، وهو لا يبالي بالتطويبات ولا بالطوباويّين.