سافر رئيس الجمهورية. مجرّد أن نكتب هذه الجملة، بعد سنوات صار فيها القصر الجمهوري جزيرةً معزولة عن العالم، هو خبرٌ في ذاته. فالرئاسة التي اعتادت أن تنتظر مَن يزورها، أو مَن لا يزورها، خرجت اليوم من بابها إلى العواصم. من واشنطن إلى أنقرة، ومنهما إلى الزيارة المرتقبة الى الرياض. ثلاث محطات في أسابيع. وما بينها خيطٌ واحد لا يخطئه القارئ: لبنان يحاول أن يستردّ اسمه على خريطة كان قد مُحي عنها.
لا نكتب هذا احتفاءً. فالاحتفاء بالسفر ترفٌ لا يليق ببلدٍ أنهكته الحروب على حدوده والإفلاس في خزائنه. ولكنّ في الأمر ما يستحقّ التأمّل: كيف انتقل جوزاف عون، في أشهر معدودة، من لاعبٍ محلّي محكومٍ بتوازنات الداخل، إلى رجلٍ يُدعى إلى البيت الأبيض، ويُستقبل في قصر أنقرة، ويُنتظره باب الرياض ليفتح على مصراعيه. هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً. هذا تحوّلٌ في الموقع.
ذهب عون إلى أنقرة، حاملا معه خلاصة ما سمعه في واشنطن. غير أنّ الزيارة، إن قرأناها كما ينبغي أن تُقرأ، عنوانها بيروت ومفتاحها دمشق. فتركيا لم تعد جارةً بعيدة تُطِلّ على المنطقة من شرفتها الشمالية. هي اليوم في قلب سوريا، ممسكةً بخيوطها، منذ أن استقرّ الأمر لأحمد الشرع في دمشق. ومن سوريا، لا من البحر، تعود إلى لبنان.
قال أردوغان جملةً تختصر المشروع كلّه: "أمن تركيا يبدأ من دمشق وبيروت". فلننتبه إلى الكلمة. لا يقول أردوغان إنّ تركيا تهتمّ ببيروت، بل يجعل بيروت حدّاً من حدوده. وهذه لغة الإمبراطوريات حين تستعيد ذاكرتها. غير أنّ أنقرة، وهذا ما يميّزها، لا تدخل بالبندقية ولا بالميليشيا. تدخل بالإسمنت والكهرباء وإعادة الإعمار، بالمدرسة والجمعية الخيرية، بالاقتصاد الذي يتسلّل حيث يعجز السلاح. نفوذٌ ناعمٌ في ظاهره، ثقيلٌ في نتائجه.
ولنكن صريحين مع أنفسنا: ما من نفوذٍ خارجي يأتي مجّاناً. تركيا تريد للبنان استقراراً، نعم، ولكن استقراراً على مقاسها. وبين مَن يخرج من الباب ومَن يدخل من النافذة، يبقى السؤال اللبناني الأزلي معلّقاً: هل نستبدل وصايةً بأخرى، أم نتعلّم أخيراً أن نمسك بقرارنا؟ لقد قالها المسؤولون في بيروت للأتراك: لبنان متمسّك باستقلال قراره. قالوها. والقول سهل. والامتحان في الأفعال.
ولبناننا العالق بين نارَين: إسرائيل من الجنوب، وإيران في الداخل، يتساءل أين سيجد نفسه في المستقبل القريب والبعيد؟ يقف لبنان حيث وقف دائماً: على مفترق النيران. من جنوبه تُطلّ إسرائيل، راسخةً في أرضه بعد الحرب، تخفي أطماعها خلف ذريعة الأمن كما أخفتها دائماً. وفي داخله ما بقي من نفوذ إيران وامتداداتها. وبين هذين، فتحت تركيا باباً ثالثاً. لا لأنّها صديقةٌ نزيهة، فليس في السياسة أصدقاء نزهاء، بل لأنّ مصلحتها تتقاطع، اليوم، مع مصلحة لبنان في نقطةٍ واحدة: كلاهما يريد إسرائيل خارج الأرض اللبنانية.
أنقرة ترفض المشروع الإسرائيلي في المنطقة، ليس حبّاً بنا، بل لأنّها ترى في تمدّد تل أبيب تهديداً لمكانتها هي. وهنا يكسب لبنان هامشاً. فإسرائيل بات لها في المنطقة خصومٌ أقوياء. والدولة الصغيرة تتنفّس في الفسحة التي يتركها تصارع الكبار. هذا كلّ ما في الأمر. ومن يفهم هذا يعرف كيف يناور، ومن لا يفهمه يُسحَق بين الرحى.
ثمّ الرياض، البوابة العربية الحتمية التي يمر منها وعبرها لبنان. فقد دعا وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان الرئيسَ عون إلى المملكة، ووعد بدعمٍ يحدّد لبنانُ أولوياته. وإذا كانت أنقرة تدخل من الشمال بالاقتصاد، فإنّ السعودية هي الغطاء العربي الذي يعيد لبنان إلى أهله. فلبنان عربيّ الانتماء والهوية، مهما تعدّدت الأبواب التي يطرقها. والدور السعودي، بما يحمله من ثقلٍ خليجيّ، هو الميزان الذي يمنع أن يميل البلد كلّياً نحو محورٍ دون آخر.
إنّ الجمع بين أنقرة والرياض في جولةٍ واحدة ليس صدفة. إنّه فنّ التوازن الذي طالما افتقر إليه لبنان. أن تفتح أبواباً عدّة كي لا تبقى أسير بابٍ واحد. هذه حكمة الدول الصغيرة حين تُحسن قراءة موقعها.
وأخيراً، لبنان يخرج من العزلة. فوراء المحطات الثلاث حقيقةٌ واحدة. لقد دخل عون البيت الأبيض، أوّل رئيس لبناني يفعل منذ نحو عشرين سنة. ولم يذهب ليصافح ويعود، بل حمل ملفاً ثقيلاً: انسحاب إسرائيل، وحصرية السلاح بيد الدولة، ودعم الجيش، وباب الاستثمار الذي أُوصد طويلاً. سمع ترامب يقول إنّ لبنان "عومل بشكل سيء"، وإنّ واشنطن ستساعده. الكلمات رخيصة في سوق السياسة. ولكنّ أن تُقال في المكتب البيضاوي، لرئيسٍ لبناني، بعد عقدين من الغياب، فذلك في ذاته إعلانُ عودة.
العزلة التي عاشها لبنان في العهد السابق لم تكن قدراً. كانت خياراً، أو نتيجة خيارات. حين تدير ظهرك للعالم، يدير العالم ظهره لك. واليوم يُطرَق الباب من جديد. الرئاسة التي كانت غائبة عن موائد القرار، تعود مدعوّةً إليها. وهذا، في بلدٍ أدمن الانكفاء، ليس إنجازاً صغيراً.
لكنّ الحذر واجب. فالخروج من العزلة إلى ساحة تتصارع فيها أنقرة وطهران وتل أبيب والرياض وواشنطن، ليس نزهة. إنّه انتقالٌ من خطرٍ إلى خطر. والرهان الحقيقي ليس في عدد الطائرات التي تُقلّ الرئيس، بل في قدرة الدولة على أن تحوّل هذا الزخم إلى سيادةٍ فعلية، وإلى خبزٍ على موائد الناس. فالوطن لا يُبنى بالصور على أدراج القصور، بل بما يبقى بعد أن تُطفأ الكاميرات.
سافر الرئيس. ونحن ننتظر أن يعود بما هو أثمن من صورةٍ للتاريخ: بلدٌ استعاد اسمه، ودولةٌ استعادت قرارها.