في الوقت الذي تعتمد فيه الولايات المتحدة سياسة تقوم على ضبط إيقاع ضرباتها العسكرية ضد إيران بما ينسجم مع مسار المفاوضات، تبدو طهران كأنها تخوض مفاوضاتها الخاصة، ولكن بطريقة مختلفة تمامًا. فهي لا تفاوض على طاولة واحدة، بل توزّع رسائلها بين العواصم العربية والممرّات البحرية، مستندة إلى استراتيجية تقوم على خلق وقائع ميدانية تمنحها أوراق ضغط إضافية في أي تسوية مقبلة.
فالنهج الأميركي خلال الأشهر الماضية لم يرتكز على التصعيد المفتوح، بل على توجيه ضربات متقطّعة ومدروسة، تهدف إلى الحفاظ على الضغط العسكري من دون نسف فرص التفاوض. أما إيران، فهي تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة قد تكون مكلفة، فاختارت مسارًا آخر يقوم على الضغط غير المباشر، عبر الساحات الإقليمية وخطوط التجارة العالمية.
في السابق، كان التركيز الإيراني ينصبّ على استهداف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة بواسطة "الحرس الثوري" أو أذرعها العسكرية. أما اليوم، فيبدو أن الأولوية انتقلت إلى ما هو أبعد من ذلك، أي إلى التحكّم بحركة الملاحة الدولية، باعتباره الورقة الأكثر تأثيرًا على الاقتصاد العالمي، والأكثر قدرة على فرض معادلات سياسية جديدة.
في هذا السياق، جاء استهداف سفينة في ميناء دمياط المصري ليحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر. فالميناء يشكّل محطة لوجستية أساسية في شرق المتوسط، وأي تهديد له يوجّه رسالة بأن خطوط الإمداد والتجارة لم تعد بمنأى عن الصراع الإقليمي. كذلك، تتواصل محاولات تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب، أحد أهمّ الممرّات البحرية في العالم، بالتوازي مع استمرار إيران في فرض أمر واقع في مضيق هرمز، سواء عبر التهديدات أو عبر الإجراءات العسكرية التي تجعل حرّية الملاحة رهينة لحساباتها.
بهذا المعنى، لم تعد طهران تكتفي باستخدام الميليشيات أو الصواريخ كورقة تفاوض، بل باتت تستخدم الجغرافيا نفسها. فهي تدرك أن السيطرة الفعلية على الممرّات البحرية، أو حتى القدرة على تهديدها، تمنحها نفوذًا يتجاوز حدودها الجغرافية. فمن هرمز، الذي يمرّ عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، إلى باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وصولًا إلى شرق المتوسط، تحاول إيران رسم خريطة نفوذ بحري تجعل أي اتفاق معها مرتبطًا بضمان أمن هذه الممرّات.
من هنا، فإن الرسالة الإيرانية لا تستهدف واشنطن وحدها، بل تمتدّ إلى الدول العربية أيضًا. فهذه الدول أصبحت شريكة أساسية في مشاريع النقل والطاقة والممرّات الاقتصادية الجديدة، ما يجعل استقرار موانئها ومياهها الإقليمية جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي. وبالتالي، فإن أي تهديد للملاحة أو للبنية التحتية البحرية لا يشكّل ضغطًا على الولايات المتحدة فقط، بل يضع العواصم العربية أمام تحدّيات أمنية واقتصادية مباشرة.
لكن في المقابل، يبقى السؤال الأساسي: إلى أي مدى تستطيع إيران تحويل هذه الأوراق إلى مكاسب سياسية؟ فكلّما توسّعت دائرة استهداف الممرّات البحرية، ازدادت احتمالات تشكّل تحالفات إقليمية ودولية لحماية حرّية الملاحة، وهو ما قد يؤدّي إلى نتائج معاكسة لما تريده طهران.
لذلك، يمكن القول إن المفاوضات الجارية لم تعد محصورة في الملف النووي أو العقوبات، بل أصبحت تدور أيضًا حول خرائط النفوذ البحري. فالولايات المتحدة تفاوض عبر مزيج من الضغط العسكري والدبلوماسية، فيما تفاوض إيران عبر الصواريخ والموانئ والمضائق. وبين الطريقتين، يبدو أن معركة المرحلة المقبلة لن تكون فقط حول تخصيب اليورانيوم، بل حول من يمتلك القدرة على التحكّم بشرايين التجارة والطاقة في المنطقة، وفي مقدّمتها مضيق هرمز، الذي تحاول طهران تكريس نفسها بوصفها صاحبة الكلمة الفصل فيه.