لم تنتهِ الحرب في جديدة مرجعيون مع توقف الغارات، ولم تُطوَ صفحتها بانحسار القصف. فالبلدة الحدودية لا تزال حتى اليوم تدفع ثمن حربٍ فُرضت على أهلها من دون أن يكون لهم قرار فيها، بعدما تحولت أرضهم إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات الإقليمية.
في حربي الإسناد الأولى والثانية، كانت جديدة مرجعيون من أكثر البلدات التي دفعت الثمن. ورغم الجراح، لم تستسلم البلدة. فقد فتحت مؤسساتها الاجتماعية وأهاليها أبوابهم للنازحين من القرى المجاورة، وتقاسموا معهم المأوى ولقمة العيش، في مشهد عكس أسمى معاني التضامن الوطني والإنساني.
لكن حتى هذا الدور الإنساني لم يسلم من الحرب. فالقوات الإسرائيلية المتمركزة في الخيام، والمشرفة بالنار على منطقة مرجعيون، وجّهت مرارًا تهديدات باستهداف البلدة في حال استمرار استقبال النازحين، ما اضطر البلدية إلى إخلائهم حفاظًا على أرواحهم وأرواح أبناء البلدة، لتدفع جديدة مرجعيون ثمنًا جديدًا.
واليوم، لا يزال شبح التصعيد يخيّم على البلدة. ومع ذلك، يتمسك أبناء جديدة مرجعيون بأرضهم. يرفضون الرحيل عن منازلهم وحقولهم وكنائسهم، ويعتبرون أن البقاء هو أبلغ أشكال الصمود. فهم لا يحملون السلاح، بل يحملون إرادة الحياة، ويتمسكون بحقهم في العيش بكرامة على أرضهم، بانتظار أن يعود الجنوب مساحةً للحياة لا ساحةً للحروب.
وتحدث رئيس البلدية سري غلمية عن التحديات التي واجهتها البلدة ودور البلدية خلال الحرب.
وقال إن البلدية لعبت دورًا محوريًا في دعم الأهالي، سواء الذين بقوا في البلدة أو الذين اضطروا إلى النزوح، من خلال تأمين المساعدات الأساسية بالتعاون مع الجهات الرسمية والهيئات المانحة والجمعيات الأهلية والدولية.
وأوضح أن المساعدات شملت حصصًا غذائية، ومواد نظافة، وأدوية، إضافة إلى مستلزمات للأطفال، وقسائم شرائية، وقسائم لشراء الغاز والمازوت، بدعم من الهيئة العليا للإغاثة، ومجلس الجنوب، وعدد من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، إلى جانب مبادرات فردية.
وأشار إلى أن هذه المساعدات ساهمت في تعزيز صمود الأهالي، وأن نسبة البقاء في البلدة خلال الأحداث الأخيرة كانت أعلى بكثير مقارنة بما شهدته المنطقة في عامي 2024 و2025.
في المقابل، أكد غلمية أن الواقع الاقتصادي لا يزال بالغ الصعوبة، بعدما فقد كثير من الأهالي أعمالهم أو تراجعت مداخيلهم بصورة كبيرة، فيما تقلصت المساعدات الخارجية بفعل التطورات الإقليمية، ما زاد من حجم الضغوط المعيشية.
ولفت إلى أن الأزمة تطال البلدية أيضًا، إذ إن آخر دفعة حصلت عليها من الصندوق البلدي المستقل تعود إلى مستحقات عام 2023، فيما كانت آخر تحويلات عائدات الخليوي عن عام 2024، في وقت ارتفعت فيه كلفة التشغيل بشكل كبير مع اعتماد معظم النفقات على الدولار واستمرار موجة الغلاء.
ورغم الإمكانات المحدودة، أكد أن البلدية تواصل تنفيذ مشاريعها الإنمائية، مشيرًا إلى إطلاق مشروع بيئي لفرز النفايات من المصدر، بدأ العمل به قبل أسبوع، لما له من أهمية في الحفاظ على البيئة والصحة العامة.
وختم بالتأكيد أن الأولوية المطلقة تبقى لعودة الأمن والاستقرار والسلام، بما يسمح للأهالي باستعادة حياتهم الطبيعية والعيش بأمان في بلدتهم.
ولا تختصر جديدة مرجعيون قصتها بالحرب وحدها، فهي بلدة العلم والثقافة، ومركز قضاء مرجعيون الذي يضم 32 بلدة، وتشكل القلب الإداري والخدماتي والتربوي للمنطقة، كما أنها نقطة تلاقٍ جغرافية وتاريخية وحضارية في جنوب لبنان.
وتعود نشأة البلدة إلى أكثر من ثلاثة قرون، وتتميز بموقعها الطبيعي الخلاب ومنازلها التراثية ذات الحجر القديم والقرميد الأحمر، والتي يزيد عمر بعضها على مئة عام، فيما يستوحي تصميمها الداخلي الطراز الإيطالي.
ومن أبرز معالمها مبنى السرايا القديمة الذي شُيّد عام 1890 وكان مقر القائمقامية، قبل انتقال الإدارات الرسمية إلى السرايا الجديدة التي أُنشئت عام 1920 مع تثبيت مرجعيون مركزًا للقضاء. كما تضم البلدة ثكنة عسكرية بناها الفرنسيون عام 1920، وتسلمها الجيش اللبناني عام 1943، قبل أن تعود مجددًا إلى عهدته بعد سنوات الاحتلال.
وأنجبت جديدة مرجعيون شخصيات لبنانية وعالمية تركت بصمات بارزة في مختلف المجالات، وفي مقدمها طبيب القلب العالمي الدكتور مايكل دبغي، إلى جانب العديد من الأسماء التي أسهمت في نهضة لبنان العلمية والثقافية والإدارية، لتبقى البلدة، رغم الحروب، عنوانًا للعلم والثقافة والصمود.