إلسي الخوري

شهداء المرفأ... شهود على دولة مخطوفة

3 دقائق للقراءة

ليس الرابع من آب مجرد تاريخ في الذاكرة اللبنانية، بل هو اليوم الذي سقطت فيه كل الأقنعة. ففي لحظة واحدة، تحوّل مرفأ بيروت إلى شاهد على واحدة من أكبر الكوارث غير النووية في التاريخ، وتحولت العاصمة إلى مدينة منكوبة، وسقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وتشرد مئات آلاف اللبنانيين، فيما بقيت الحقيقة أسيرة التعطيل، وبقيت العدالة مؤجلة.

ذلك الانفجار لم يكن قضاءً وقدرًا، بل نتيجة منظومة من الإهمال، والاستهتار، والإفلات من العقاب، وغياب الدولة الفعلية القادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها ومؤسساتها. لقد دفع اللبنانيون الثمن من دمائهم، لأن الدولة التي كان يفترض أن تحميهم كانت عاجزة عن ممارسة سيادتها الكاملة، وعن فرض القانون على الجميع من دون استثناء.

لقد أثبتت السنوات التي تلت الانفجار أن الجريمة لم تتوقف عند لحظة الانفجار، بل استمرت مع كل محاولة لعرقلة التحقيق، وكل ضغط مورس على القضاء، وكل تدخل حال دون الوصول إلى الحقيقة الكاملة ومحاسبة المسؤولين. فالعدالة ليست مطلبًا سياسيًا، بل حق للشهداء، وحق لعائلاتهم، وحق لكل لبناني يريد أن يعيش في وطن يحمي أبناءه بدل أن يدفنهم تحت الركام.

إن الحديث عن قيام دولة حقيقية لا يمكن أن ينفصل عن مبدأ احتكارها وحدها للسلاح وللقرار الأمني والعسكري. فلا يمكن لدولة أن تكون سيدة، فيما يتقاسم سلطتها سلاح خارج إطار الشرعية، ولا يمكن لمؤسساتها أن تعمل بحرية فيما القرار الوطني موزع بين الدولة وقوى تمتلك من القوة ما يفوق سلطة القانون. إن أي مشروع لبناء لبنان الجديد يبدأ أولًا باستعادة الدولة لدورها الكامل، وبسط سيادتها، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وحدها.

لقد أثبتت التجربة أن وجود أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة لا يؤدي إلا إلى إضعاف المؤسسات، وتعميق الانقسام، وتعطيل المحاسبة، وإبقاء لبنان رهينة صراعات لا تشبه مصالح شعبه ولا تطلعاته. فلا سيادة بلا دولة، ولا دولة بلا قانون، ولا قانون مع ازدواجية السلاح والقرار.

في الرابع من آب، لا نحيي ذكرى الشهداء بالبكاء فقط، بل بتجديد الالتزام بالقضية التي استشهدوا من أجلها من دون أن يختاروها: قضية العدالة. فالوفاء الحقيقي لهم يكون برفض تحويل الجريمة إلى رقم في سجل النسيان، وبرفض تطبيع اللبنانيين مع الإفلات من العقاب، وبالإصرار على أن الحقيقة لا تسقط بمرور الزمن.

إن لبنان الذي نحلم به هو لبنان الدولة، لا الدويلات؛ لبنان المؤسسات، لا المحاور؛ لبنان القضاء المستقل، لا العدالة الانتقائية؛ لبنان الذي يحتكر وحده السلاح والقرار، ويحمي أبناءه بالقانون لا بموازين القوى.

في ذكرى الرابع من آب، نقولها بوضوح: لن تكون هناك مصالحة مع النسيان، ولن تكون هناك دولة من دون حقيقة، ولن يكون هناك مستقبل من دون محاسبة. فدماء شهداء المرفأ ليست ذكرى عابرة، بل أمانة وطنية، ومسؤولية أخلاقية، ونداء دائم لاستعادة لبنان الذي يستحقه أبناؤه: وطنًا حرًا، سيدًا، مستقلًا، تسوده العدالة، ويحكمه القانون، ولا يعلو فيه أي سلاح على سلطة الدولة.