لا خلاف على العناوين التي كان بعضها مكتوبًا على الجدار في لبنان المهدمة جدرانه بمغامرة الحرب وتوحش الاحتلال. ومن الطبيعي أن يطالب كل مواطن أو مسؤول بانسحاب إسرائیلي كامل مبرمج زمنيًا ونشر الجيش وإعادة الإعمار وعودة الأهالي المهجرين إلى قراهم. ولا فرق سواء كان مع المفاوضات المباشرة أو ضدها، مدركًا ما قاد الدولة إلى اتفاق الإطار أو رافضًا للاتفاق أو صاحب ملاحظات حوله. لكن من غير الطبيعي ألا يسأل نفسه عن المقابل لتحقيق هذه المطالب، وأن يراهن على معجزة تحققها بلا قيد ولا شرط. ومن باب الهرب من المسؤولية أن يضع من غامر بحربين لإسناد غزة وإيران وعجز عن منع الاحتلال، لا فقط المسؤولية على الدولة بل أيضًا أن يرفض ويهاجم خيارها لتحقيق الانسحاب والعودة إلى الوضع الطبيعي.
والسؤال المحرج هو: إذا قرر الرئيس جوزاف عون تعليق المفاوضات مع إسرائيل، برعاية أميركية، أو الخروج منها، تاركًا البلد في وضع أصعب من الاحتلال، فما الذي يستطيع "حزب الله" فعله بنجاح، سواء عبر "المقاومة الإسلامية" أو عبر الرهان على صفقة إيرانية - أميركية متبدّلة ومتحوّلة تأتيه بالانسحاب الإسرائيلي بلا قيد ولا شرط، كهدية من الرئيس دونالد ترامب، عبر الضغط على بنيامين نتنياهو، وسط عجزه عن الضغط عليه من خلال الاتفاق الإطاري، مع أنه راعيه؟ ألم يحن الوقت للمراجعة والاعتراف بأن المقاومة لم تعد قادرة، لا على منع الاحتلال ولا على تحرير الأرض؟ وهل بات هناك شك، بعد ما حدث منذ "طوفان الأقصى" وحروب ما بعده، في أن "محور المقاومة" هو شبكة لحماية الجمهورية الإسلامية والدفاع عنها والعمل لمشروعها تحت شعار "المقاومة"؟
في مقال نشرته "فورين أفيرز" بعنوان "استراتيجية إيران الكبرى الجديدة" قال ولي نصر ونرجس باجوقلي "إن إيران تعلمت الكثير من دروس الحرب وقامت بتغييرات استراتيجية وتكتيكية مهمة. ومن بين الثوابت والمتغيرات أن طهران لن تفاوض على علاقاتها مع "حزب الله" والحشد الشعبي والحوثيين، وإنما ستديرهم بانضباط استراتيجي أكثر ورومنطيقية إيديولوجية أقل".
وهؤلاء "سيکونون جزءًا من استراتيجية إقليمية منسقة ومهندسة لحماية العمق الاستراتيجي الإيراني ضد إسرائیل وأميركا". لكن "القيادة الإيرانية الجديدة لن تضحي بمصالح إيران على مذبح التضامن الثوري".
ولا معنى للحديث اليوم عما بدأ كأنه لعبة مستورة في لبنان. ولا مجال لأن يبقى.
الأمن الوطني اللبناني مُصادَرًا، بعدما استمر كذلك على مدى عقود من المصادرة الفلسطينية المسلّحة والإسرائيلية والسورية والإيرانية. والكلّ دفع باللحم الحيّ ثمن ما يقود إليه رفض مرجعية الدولة في قرار الحرب والسلم. فالإصرار على الاحتفاظ بسلاح لا يردع ولا يردّ خطرًا هو اعتداء داخلي على السيادة، له وجه خارجي. ولا بأس في الدعوة إلى مناقشة الاتفاق الإطاري في مجلس الوزراء، وإن لم يصبح اتفاقًا بعد. ولكن ماذا عن إغلاق باب النقاش في المجلس النيابي عام 2023 بشأن مجريات حروب الإسناد لغزة وإيران، وما جرّته على البلد من خراب ومآسٍ؟
لا مهرب من مواجهة المعادلة المطروحة من الأكثرية الرسمية والشعبية الداخلية والعربية والدولية: ربط الانسحاب الإسرائيلي بسحب السلاح من "حزب الله". والوجه الآخر للمعادلة هو بقاء السلاح والاحتلال في وضع بائس هش يزداد خطورة وفقرًا ودمارًا. والسياسة هي فن إدارة شؤون الناس وليست "التنظيم المنهجي للحقد" كما سماها هنري جيمس.