سيطرة الحرس الثوري الإيراني على القرار في بيروت آخذة في الأفول. فلماذا تستمر نتائجها؟
الجواب أن سيطرة "حزب الله" التابع لإيران، كحزب البعث السوري قبله، وما سبقها من تحالف "الحركة الوطنية" مع ياسر عرفات لإضعاف المسيحيين، وقبلها بعقود سعي القيادات المسيحية لدى القوى الغربية إلى تأسيس لبنان الكبير كرافعة لها، هي الأسباب العميقة لصراع كارثي بين مكوّنات لبنان لم يُطوَ بعد.
تعدّدت المقالات بمناسبة تطويب البطريرك إلياس الحويّك، مشيدة بأهم إنجازاته: إعلان دولة لبنان الكبير. لكن، باستثناء مقالات ممتازة لفدراليين، أثنى المعلّقون على دوره في تكبير حجم لبنان.
أشارك المنتقدين رأيهم، لكنني أرفق حكمًا على سعي الحويّك. كل إنجاز يعكس قيم زمنه، غير أن القيم والعادات تتبدّل بتبدّل الأزمان. المأخذ ليس في الفعل بحد ذاته، بل يُثنى عليه إن واكب التطور، ويُعاب إن لم يتكيّف مع قيم لاحقة تطوّره وتصحّحه. علينا أن نُجري هذه القاعدة على قيام لبنان الكبير. قيم زمنه قبل قرن غير قيمنا. التقصير ليس في ما أجريناه عام 1920، بل في عدم تطويره وتكييفه مع القيم اللاحقة.
ما كان إنجازًا بات كارثة، إذ حصل تقصير على ثلاثة مستويات:
1- تقصير بنيوي:
كان الإطار الدستوري الوحدوي هو السائد عند تقرير بنية لبنان، فلا مأخذ في أن يرسي الخيار على دولة وحدوية مركزية.
بدأ تصدّع بنية لبنان بعيد استقلاله، وبالتحديد منذ اعتلاء العسكر السلطة في الشرق الأوسط، ما أثار رغبة لم يكتمها المسلمون في تولّي السلطة. فإن لم تتوافر شروطها، وكان لا بدّ من رئيس جمهورية غير مسلم، فلتكن رئاسته شكلية منزوعة الصلاحيات. تمّ لهم ما أرادوا بعد عقود من النزاعات المسلّحة، أسفرت عن نظام فريد من نوعه، قوامه "الميثاقية" و"الوفاقية" و"التوقيع الثالث"، الذي يكون عادة لوزير المالية الشيعي. فانتهينا إلى نظام يعطّل كل قرار، باستثناء اقتسام الغنائم. ولحقت بالسلطة التشريعية تطورات سلبية من نوع آخر. فقد حصر اكتساح الثنائي الشيعي لمقاعد الطائفة رئاسة المجلس النيابي بمرشّح منهما، ما أدّى إلى سيطرتهما التامة على السلطة التشريعية، وبها عطّل رئيس المجلس انتخاب رئيس للجمهورية طوال سبع سنوات، بحجة: "اتفقوا أولًا لأدعو المجلس إلى الانعقاد".
2- التقصير الدستوري:
كان خطأ المسيحيين الثاني دستوريًا. فبدلًا من الصراع على صلاحيات المناصب الثلاثة الأولى، كان بوسعهم اقتراح نظام لتداول المناصب، ما ينهي فورًا محاولات خصاء كل فريق منصبًا مخصّصًا للآخر، إذ يدرك أنه سيؤول إليه.
3- تقصير في طرح قضيتنا:
تقصير لا يقلّ خطورة نراه في طرح المسيحيين لقضيتهم. يصعب فهم الفكر السياسي الحديث إن أسقطنا تأثير الفكر الدارويني فيه. حرّف الفكر السياسي نظرية تشارلز داروين حول "صراع البقاء والبقاء للأفضل" من الحيّز الطبيعي الذي لم يتخطّه داروين، إلى توسيع نطاقها لتشمل المجتمعات البشرية، وفق ما نادى به هربرت سبنسر. تسلّلت هذه المفاهيم وتركت أثرًا في الفكر القومي العالمي والشرق أوسطي، محوّلة بعضه من حقوق إنسانية عامة إلى فكر عرقي عنصري يمنح الشعوب المتفوّقة حقوقًا تفوق حقوق "شعوب دونها منزلة"، حضاريةً غالبًا وعرقيةً أحيانًا. تبنّى القوميون العرب والقوميون اللبنانيون البعد الحضاري، فيما استقرّ فكر أنطون سعادة على تفوّق الشعب السوري عرقيًا على "الشعوب المنحطّة". وأيضًا، وإن بدرجة أقل غلوًا، تُلمَس إشارات عرقية في كتابات بعض روّاد الفكر القومي اللبناني: يوسف السودا، وكمال الحاج، وسعيد عقل.
لنا أن نضيف أيضًا رافدًا للقومية اللبنانية، استعاره مفكّرونا من رسالة البابا يوحنا بولس الثاني، حيث وصف لبنان بأنه "أكثر من وطن، إنه رسالة".
جميعها مقولات تخطّاها الفكر الحديث، الذي أحلّ محلّ الفكر القومي، بمختلف ألوانه، مبادئ "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، أكبر رافعة لقدر الإنسان، ليس فقط على مستوى الفكر الفلسفي النظري، بل، وهو الأهم، بتبنّي المجتمع الدولي لها، فباتت إجراءً عمليًا ملزمًا بحسب القانون الدولي. ذروة فرادة الإعلان ورفعته تكمن في مقدمته: "لما كان الاعتراف بالكرامة الأصيلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة، هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم". عبارة، على إيجازها، أسقطت كل أشكال التمييز بين البشر، إذ يكفي الإنسان أن يكون إنسانًا ليتساوى في الحقوق مع أي إنسان آخر. ألغى هذا التعريف في القانون الدولي كل مقولة تميّز بين البشر، بحيث استبدل القول: "أنا متفوّق، لذا لي حق في الوجود"، بالقول: "أنا موجود، لذا لي حق في الوجود". ومن أبرز مظاهر تخلّفنا، كلبنانيين، وخصوصًا كمسيحيين، إسرافنا في سرد أساطير الأجداد، بدلًا من التركيز على إنجاز لا ريب فيه للبنان، وهو أن واضع هذا المبدأ والمدافع عنه، ما أدّى إلى إقراره، هو شارل مالك، ممثّل لبنان في لجنة صياغة حقوق الإنسان.