صدر عن "دار سائر المشرق" هذا الشهر كتاب "الموحدون الدروز والشهابيون في وادي التيم... التباس في التأسيس والدور"، للباحث الأكاديمي فارس اشتي. ويتضمّن الكتاب أربعة فصول هي: "وادي التيم: الاسم والحضور، الدعوة التوحيدية في الوادي: محن ومواجهات، أصل الشهابيين وفصلهم، أحداث مغيّبة في تاريخ الوادي"، فضلا عن المقدمة والخاتمة.
ويحكم الكتاب النقد للسائد في نسب اسم الوادي إلى قبيلة، وفي التسليم بأن دروز الوادي حين قيام الدعوة فيه هم موحّدوها، وفي أسطرة الحضور الشهابي، نسبا وقتالا مع الفرنج والمغول، وفي التسليم بهامشية دور الوادي.
تنشر "نداء الوطن" هنا فصلا من الكتاب بعنوان: "أصل الشهابيين وفصلهم".
تسود روايتان تأسيسيتان عن أصل الشهابيين وقدومهم إلى وادي التيم ومعاركهم فيه، وتعتبر إحداهما من المسلّمات عند كل من كتب عنهم، وقد دفع الاشتغال على تاريخ قرية ينطا، وهي في المنطقة التي افترضت الرواية السائدة قدومهم إليها ومعاركهم فيها، إلى التدقيق فيها، وقد أدّى ذلك إلى نقضها وافتراض رواية أخرى...
مجيء الشهابيين إلى وادي التيم وقتالهم الفرنجة
المتداول بين الكتّاب هو مجيء الشهابيين إلى وادي التيم وقتالهم الفرنجة، ويستند هذا التداول إلى الرواية الواردة في نسب الشهابيين التي تدّعي مجيء الشهابيين وعشيرتهم (15 ألفا) من أذرعات في حوران في العام 567هـ/1171م إلى وادي التيم عوضًا عن رحيلهم الذي أزمعوا عليه إلى الديار المصرية للّحاق بصلاح الدين الأيوبي إثر النعرة الثانية بينه وبين نور الدين الزنكي وتدخّل الأخير ليعدلوا عن الرحيل ويختاروا أي مكان، فاعتذروا عن السكن في الأمصار واختاروا وادي التيم، لأنهم اعتادوا البادية والقرى... فنزلوا في بيداء الظهر الأحمر من الكنيسة إلى الجديدة، وخاضوا معركة بقيادة أميرهم منقذ مع قنطوره، قائد الفرنجة، ومعه 50 ألف مقاتل، وسانده صاحب قلعة الشقيف ذفاتر ومعه 15 ألف مقاتل، فانتصروا على الفرنجة وقتلوا قنطوره، وأعطى صلاح الدين، بعد موت نور الدين، الأمير منقذ الولاية على البلاد التي فتحها.
ويقود عرض ما ورد في المصادر القديمة عن معارك الفرنجة في البقاع إلى جملة ملاحظات:
1- أن البقاع، بشماله وجنوبه، كان موقع مواجهة بين الفرنجة وحكّام المنطقة، وأنه في الغالب غير خاضع للفرنجة، وأقصى ما بلغوه هو حصولهم على ثلث محصولاته في الاتفاق الذي جرى بين طغتكين وبلدوين في العام 504هـ. وقد بلغت هذه المواجهات اثنتي عشرة مواجهة على مدار 150 سنة، وكانت الأكثف في نصف القرن الأول.
2- اقتصرت المواجهات في البقاع الجنوبي على عدد محدود، وهي على نوعين:
* إغارة الفرنجة والتصدّي لهم في الأعوام 543 و546 و571 و658 و665هـ.
* مشاركة أهالي البقاع في المعارك، وهي مشاركتان:
• نجدة حاكم دمشق في العام 543هـ.
• تحريك صلاح الدين الأيوبي، وهو في حصار بيت الأحزان، قبائل العرب للإغارة على بيروت وصيدا في العام 574هـ، وإغارة الفرنجة على جماعة منهم عند الليطاني في العام نفسه، وتحريكه أربعة أمراء منهم في معركة مرجعيون الثانية في العام 585هـ. وقبائل العرب هذه قد تكون قبائل في البقاع الجنوبي ووادي التيم، كما قد تكون في المقلب الثاني من حرمون، حيث بانياس وبيت الأحزان.
3- عدم ورود أي إشارة إلى الشهابيين في هذه المصادر، وعدم وجود أي إشارة إلى معركة مع الفرنجة في العام 570هـ، وقد يوحي تحريك صلاح قبائل العرب وإغارة الفرنجة على بعضهم عند الليطاني في العام 574هـ وتحريكهم ثانية في العام 585هـ بإمكانية أن يكون الشهابيون، كعرب، هم المقصودون أو بعض المقصودين، لكون الشهابيين عربًا ولقرب تاريخ الواقعة من الوارد في تاريخ الشهابيّين.
ويعني هذا نفي الرواية السائدة عن قدوم الشهابيين إلى وادي التيم وقتالهم الفرنجة، وهي رواية لا يتعدّى أقدم مصدر لها العام 1839م (تاريخ حيدر الشهابي)، ولا تقوم رواية النسب اللاحقة على نسب عائلي محفوظ.
ويعزّز هذا النفي طبيعة المعارك التي خيضت ضد الفرنجة، إذ كانت تخوضها، فقط، القوى النظامية المقاتلة من عصبية الحاكم وجماعته (أتراك وسلاجقة وأكراد)، بقيادة الحاكم أو أحد ولاته، من دون نفي مشاركة السكان المحليين، ومنهم العربان، في القتال، لكنها محدودة بمساعدة العسكر، إذا طُلبت، من دون أن تكون لهم القيادة، واقتصرت مشاركتهم في الغالب على تلقّي نتائج القتال، سلبًا ونهبًا وسبيًا وتدميرًا، ودفع الضرائب وتأمين المؤن والعلف للقوة الأقرب إليهم، إقامة أو مرورًا.
كما يعزّز نفيها ضعف مبرّراتها: فالقول بمحاولتهم تجنّب مشاكل الصراع بين القائدَين نور الدين وصلاح الدين وخيارهم اللحاق بصلاح في مصر، ضعيف من ثلاث جهات: جهة عدم وضوح الصراع آنذاك، وجهة عدم وجود صلاح الدين في مصر حينها، وجهة عدم اعتداد القوى المتصارعة برأي العامة والعربان.
والقول باختيارهم وادي التيم لأنهم معتادون سكن البوادي، كما ادّعي في جوابهم لنور الدين عندما دعاهم إلى السكن في دمشق، ضعيف، فالوادي ليس بادية، أولا، وعديدهم المُدّعى في الرواية السائدة (15 ألفا) وما يفترض أن يقرن به من المواشي لا تحتمله منطقة الوادي الوعرة، فضلا عن أن مواشي البدو هي الأغنام، وهذه لا تناسبها الجبال الوعرة التي تسود فيها تربية الماعز حتى اليوم.
فرضية بديلة
يقود عرض ونقد الرواية الشائعة عن قدوم الشهابيين إلى الوادي وقتالهم الفرنجة ثم قتالهم المغول إلى استبعاد هذه الرواية، ومن ثم استبعاد إمرة فاعلة لهم قبل القرن التاسع للهجرة، كما تقود الأخبار الواردة عنهم إلى إثبات حضور هذه الإمرة في هذا القرن.
وبقدر ما ينفي النقد للرواية الشائعة إمرتهم القديمة، ينفي حداثة حضور إمرتهم في القرن التاسع للهجرة، الأمر الذي يدفع إلى التدقيق باتجاه بناء فرضية أخرى عن هذه الإمرة.
تقوم الفرضية على القول بتيمية آل شهاب، سواء كانت غابرة في قدمها أو وافدة منذ زمن إليها، وقد أتاح نماء عديدها وثروتها الصعود في مراتب الإمرة في ظل ظروف مؤاتية.
فمن حيث وجودها الغابر، لا تتيح المصادر المتوفرة المعرفة بالعائلات المقيمة في الوادي منذ الأزمنة القديمة، كما لا تتيح الإمكانات المالية للبحث إجراء أبحاث جينية عن آل شهاب وعائلات الوادي.
ومن حيث قدومها القديم إلى الوادي، هناك روايتان خاصتان بها ونوعان من المعطيات العامة التي قد تنطبق عليها:
الرواية الأولى هي الرواية الشائعة التي نقض البحث بعضها من دون التثبّت من البعض الآخر، فقد نقض البحث عديد القادمين (15 ألف مقاتل) ومعاركهم الكبيرة والمنتصرة مع الفرنجة ثم المغول، من دون نفي احتمال قدومهم، المرجّح بمتغيّرَين:
1- ما ألمح إليه مصدر الرواية الشائعة (حيدر الشهابي): "سبب قيامنا دمار بلادنا وعدم اجتناء ثمارها"، الذي يقدّر نزوحهم بسبب وطأة المعارك التي جرت في حوران لكونها على الطريق الذي عبرت عليه حملات الفرنجة على دمشق.
2- إن البثنية إحدى المناطق التي أُرسل إليها دعاة للمذهب التوحيدي، الأمر الذي يعني انتشاره بينهم، طالما كانت تلك القبائل الأكثر حضورًا فيها.
والرواية الثانية هي رواية "قواعد الآداب حفظ الإنسان"، وهي مخطوطة تعود إلى القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد (بين 1345-1383م)، تورد سكن الأمير شهاب في حاصبيا في سياق مجيء هذه الطوائف إلى الساحل، من دون تحديد تاريخ مجيء هذه الطوائف إلى معرّة حلب، ص 28 و29، أو تاريخ مجيئها إلى الساحل الشامي، وإن كان عرض سكن شهاب حاصبيا في سياق سكن الأمير معن دير القمر وسكن الأمير رسلان حصن أبي الجيش بوادي التيم.
ومع الشكوك المثارة في هذه الرواية، إن كان للجهل بكاتبها أو لما تعرّضت له من تحويرات، فإنها تحمل دلالتَين مهمّتَين:
1- القول بنزوح من الجزيرة العربية إلى شمالي الشام، ومنه إلى الساحل، وهو نزوح متكرر ذكره كثيرون، وقد لا يكون مستبعدًا لجدب طارد ووفرة جاذبة؛ وكثيرة الأخبار الواردة في المصادر القديمة عن نزوح مماثل.
2- ثبوت وجود آل شهاب حين وضع المؤلّف كتابه، المقدّر في القرن الثامن للهجرة (ما بين 1345-1383م)، وهي سابقة بقرن على الأخبار الأولى عنهم (1478، 1490، 1495).
