حمل خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس محاولة لتحويل التفوّق العسكري إلى رصيد سياسي، في لحظة تتشابك فيها الحسابات الانتخابية الإسرائيلية مع العقوبات الأميركية المتصاعدة على إيران واتساع المواجهة في اليمن والخليج. وبين استعراض الضربات التي تلقّتها طهران وأذرعها، ومهاجمة المنتقدين من المنبر الدولي، قدّم نتنياهو صورة قائد إسرائيلي يريد تثبيت روايته للحرب ومواصلة الدفاع عن الدولة اليهودية في وجه أعدائها. وعلى وقع مغادرة عشرات المندوبين القاعة قبيل بدء خطابه، بادر نتنياهو الحاضرين بالقول: "إذا كان هناك أي جبناء أخلاقيًا آخرين لم يغادروا هذه القاعة، فليغادروا الآن".
قبيل الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، بدا الداخل الإسرائيلي حاضرًا بقوّة في الخطاب. فاستحضار الإنجازات العسكرية يمنح نتنياهو مادة للدفاع عن قيادته، ويتيح له تقديم الضغوط الخارجية بوصفها تحدّيًا يستوجب الالتفاف حوله. ويخدم الهجوم على فرنسا وبريطانيا، والسجال مع تركيا وقطر، هذه التعبئة، عبر جمع اعتراضات متباينة على السياسات الإسرائيلية ضمن رواية مواجهة واسعة تستهدف إسرائيل ومكانتها وأمنها.
غير أن اتساع لائحة الخصوم يكشف أيضًا صعوبة ترجمة المكاسب الميدانية إلى قبول دبلوماسي. فملفات غزة والاستيطان والدولة الفلسطينية والجولان تفرض أسئلة تتعلّق بمآلات استخدام القوّة وترتيبات اليوم التالي. واستدعاء التاريخ التوراتي لتثبيت الموقف من الجولان، ومواجهة انتقادات حرب غزة باتهامات مضادّة، يعزّزان نبرة التحدّي والمواجهة، فيما تبقى التسويات السياسية بعيدة من هذه المقاربة الصدامية.
في الأثناء، تتحرّك واشنطن على جبهة إخضاع الاقتصاد الإيراني لضغط أشدّ. فالعقوبات على قطاع الطيران، وتهديد الشركات الأجنبية المتعاملة معه بعقوبات ثانوية، ينقلان كلفة العلاقة مع طهران إلى أطراف ثالثة. ويجسّد تعليق الإمارات رحلات الشركات الإيرانية أثر هذه الآلية: يصبح استمرار التعامل مرتبطًا بمخاطر الوصول إلى النظام المالي الأميركي، فتتقلّص منافذ إيران الخارجية بفعل قرارات تتّخذها دول وشركات لحماية مصالحها.
وتكتسب الخطوة الإماراتية وزنًا خاصًّا بالنظر إلى موقع دبي في حركة الإيرانيين وأعمالهم واتصالاتهم بالعالم. ومع الضغط على الموانئ البحرية، يضيف تقييد الطيران عبئًا على اقتصاد منهك، ويضاعف الصعوبات أمام المواطنين الذين باتوا أسرى نظامهم الفاشل. وتراهن واشنطن، وفق هذا المسار، على تحويل الاختناق الاقتصادي إلى مرونة تفاوضية، مع بقاء احتمال أن تدفع الضغوط القيادة الإيرانية إلى رفع كلفة المواجهة على محيطها.
وفي هذا السياق، يكتسب تهديد مستشار المرشد الأعلى الإيراني يحيى رحيم صفوي بامتداد النزاع إلى المحيط الهندي دلالته. فربط أمن إيران بأمن الحوثيين يكشف سعي طهران إلى إبقاء الجبهات متّصلة في أي تفاوض. وتوحي الرسالة الإيرانية بأن محاصرتها ستُقابل بتوسيع نطاق الخطر، بما يطاول الملاحة والطاقة ومصالح دول تتحمّل أصلًا تداعيات الحرب.
ويضع هذا التلويح بتوسيع رقعة النزاع القوى الكبرى أمام مصلحة مشتركة في احتوائه. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تأكيد الرئيس الصيني شي جينبينغ، خلال لقائه نظيره الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض أمس، دعم بلاده عودة أميركا وإيران إلى مذكرة إسلام آباد، ودعوته البلدين إلى العودة في أسرع وقت ممكن إلى مسار حلّ القضايا عبر المفاوضات.
ويدفع التصعيد الحوثي ضدّ السعودية الحرب اليمنية إلى مستوى أشدّ خطورة، تتقاطع فيه معارك السيطرة الميدانية مع أمن الطاقة والملاحة الدولية. فإعلان الرياض اعتراض ستة صواريخ باليستية باتجاه الطائف وينبع، وادّعاء الحوثيين استهداف الرياض ومنشآت أرامكو، يكشفان استمرار التصعيد. وتكتسب المعركة على المرتفعات المطلّة على باب المندب أهمية استراتيجية، إذ يسعى الحوثيون إلى تثبيت مكاسبهم الساحلية.
هكذا تتقاطع ثلاثة رهانات: استثمار إسرائيلي للإنجاز العسكري، وضغط أميركي لتعديل السلوك الإيراني، ومحاولة إيرانية لتحسين شروط التفاوض عبر توسيع الأثمان. وتبقى قدرة الدبلوماسية على فصل هذه الحسابات عن أمن المنطقة العامل الحاسم، لكن القضية ليست بهذه البساطة.