في المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، لا تبدو المسألة مجرد صراع عسكري أو مواجهة حول مضيق هرمز، بل تتحول تدريجياً إلى حرب استنزاف اقتصادية واستراتيجية، عنوانها الأساسي: من يستطيع الصمود لفترة أطول؟
تدخل الولايات المتحدة هذه المواجهة وهي تعاني بدورها من ضغوط حقيقية: ارتفاع أسعار الطاقة، التضخم، الضغوط على المستهلك الأميركي، واستنزاف جزء من الاحتياطات النفطية الطارئة. لكن هذه الضغوط تختلف جذرياً عن طبيعة الأزمة الإيرانية.
واشنطن تستطيع شراء الوقت، أما طهران فتحتاج إلى أن تكسبه.
وهنا يكمن الفارق الأساسي.
الولايات المتحدة: كلفة مرتفعة لكنها قابلة للإدارة
أكبر نقاط القوة الأميركية في هذه المواجهة أن الاقتصاد الأميركي لا يعتمد على تدفق النفط عبر مضيق هرمز بالدرجة التي كان يعتمد عليها في أزمات سابقة.
فقد اصبحت الولايات المتحدة من أكبر منتجي النفط في العالم، فيما يسمح الإنتاج المحلي المرتفع، إلى جانب شبكات الأنابيب ومصادر الاستيراد البديلة، بتخفيف جزء كبير من الصدمة الناتجة عن اضطراب الملاحة في الخليج.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الإنتاج الأميركي يقترب من مستويات قياسية تبلغ نحو 13.8 مليون برميل يومياً.
هذه القدرة لا تعني أن الولايات المتحدة محصّنة من تداعيات الأزمة. استمرار اضطراب هرمز يعني ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وبالتالي انتقال جزء من الصدمة إلى أسعار البنزين والسلع والنقل.
لكن السؤال الاستراتيجي ليس: هل تتضرر الولايات المتحدة؟ بل: هل يصل الضرر إلى مرحلة تجبرها على تغيير سياستها؟
حتى الآن، يبدو أن الإجابة ليست كذلك.
واشنطن تمتلك أدوات مالية ونقدية وسياسية واسعة، كما تستطيع إعادة توجيه جزء من تدفقات الطاقة العالمية، والاستفادة من إنتاجها المحلي، والضغط على حلفائها وشركائها لزيادة الإنتاج أو استخدام مسارات بديلة.
وهذا يمنحها ما يمكن تسميته بـ«العمق الاستراتيجي الاقتصادي».
إيران: المشكلة ليست ارتفاع الأسعار فقط
الوضع الإيراني مختلف جذرياً.
فطهران لا تواجه فقط ارتفاع أسعار السلع أو تراجع عائدات النفط، بل تواجه احتمالاً أكثر خطورة: انقطاع الدورة الاقتصادية الداخلية نفسها إذا طال أمد الحصار واضطراب التجارة.
إيران تعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على تصدير النفط واستيراد السلع والمكونات والمواد الأساسية عبر الطرق البحرية.
وإذا أصبحت حركة السفن في المنطقة مقيدة بصورة مستمرة، فإن التأثير لا يقتصر على صادرات النفط، بل يمتد إلى الغذاء والأدوية والمواد الأولية وقطع الغيار والسلع الاستهلاكية والمدخلات الصناعية.
وهنا يصبح الوقت عاملاً حاسماً.
كل يوم إضافي من الأزمة يعني خسارة إيرادات، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وزيادة الضغط على العملة، وارتفاع التضخم.
والأخطر أن الاقتصاد الإيراني كان يعاني أصلاً من نقاط ضعف مزمنة قبل هذه المواجهة.
لذلك فإن العقوبات والحصار واضطراب الملاحة لا تبدأ من اقتصاد قوي ومحصّن، بل تضيف أزمة جديدة فوق أزمات موجودة أصلاً.
435 مليون دولار يومياً… الرقم الذي يختصر الأزمة
إذا صحت التقديرات المتداولة عن خسارة إيران نحو 435 مليون دولار يومياً من الإيرادات، فإن الرقم يصبح أكثر أهمية عندما نضعه في إطار زمني.
أسبوع واحد يعني مليارات الدولارات من الإيرادات المفقودة، وشهر واحد يعني عشرات المليارات.
وإذا استمر الوضع لأشهر، فإن المسألة تنتقل من أزمة سيولة إلى أزمة قدرة على تمويل الدولة والاقتصاد.
لكن الخسائر الفعلية لا يمكن اختزالها في الإيرادات النفطية وحدها. فكلما طال أمد الأزمة، ارتفعت أيضاً تكلفة النقل والتأمين والاستيراد، وتوسعت السوق السوداء، وتزايد الضغط على العملة المحلية.
وهكذا تتحول الحرب الاقتصادية إلى حلقة مفرغة:
انخفاض الإيرادات → تراجع العملة → ارتفاع كلفة الاستيراد → تضخم أكبر → تراجع القدرة الشرائية → ضغط اجتماعي وسياسي أكبر.
وهذا تحديداً ما يجعل الزمن أكثر خطورة بالنسبة إلى إيران.
الاحتياطي النفطي: ورقة أميركية لها حدود
هناك مفارقة مهمة في هذه الأزمة.
قد تكون الولايات المتحدة مضطرة إلى استخدام جزء من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لتخفيف الصدمة في الأسواق.
وتشير الأرقام المتداولة إلى تراجع كبير في الاحتياطي خلال شهر واحد.
لكن الاحتياطي الأميركي ليس مجرد مخزون اقتصادي؛ إنه أداة سياسية واستراتيجية يمكن استخدامها لشراء الوقت.
واشنطن تستطيع أن تقول للأسواق: «لن نسمح بأن يتحول اضطراب هرمز إلى صدمة نفطية عالمية كاملة».
لكن لهذه السياسة حدوداً.
فإذا استمر إغلاق المضيق أو اضطراب الملاحة لفترة طويلة، فإن قدرة الولايات المتحدة على استخدام الاحتياطي تصبح أقل فعالية، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع ارتفاع الطلب العالمي لاحقاً.
وهنا تظهر نقطة الضعف الأميركية الحقيقية:
الولايات المتحدة تستطيع تحمل الأزمة، لكنها لا تستطيع تحملها إلى ما لا نهاية من دون تكلفة سياسية واقتصادية.
الانتخابات والأسواق: الجبهة الداخلية الأميركية
المشكلة بالنسبة إلى واشنطن ليست اقتصادية فقط.
ارتفاع أسعار البنزين والطاقة ينعكس مباشرة على المواطن الأميركي. وإذا طال أمد الأزمة، يمكن أن تتحول أسعار الطاقة إلى قضية سياسية داخلية.
كما أن استمرار التضخم قد يضع السياسة النقدية الأميركية أمام معادلة صعبة: الحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة لكبح التضخم، أم تخفيفها لدعم الاقتصاد؟
وهنا يمكن لإيران أن تراهن على عامل الزمن.
فالاستراتيجية الإيرانية المحتملة ليست بالضرورة الانتصار العسكري على الولايات المتحدة. قد يكون الهدف أكثر تواضعاً: جعل تكلفة استمرار الحرب على واشنطن أعلى من تكلفة التوصل إلى تسوية.
وهذا هو جوهر حرب الاستنزاف.
لكن إيران أيضاً تخوض سباقاً مع الزمن
في المقابل، لا تستطيع طهران الانتظار إلى ما لا نهاية.
إذا كان الرهان الإيراني يقوم على أن الولايات المتحدة ستتراجع تحت ضغط أسعار النفط والأسواق والرأي العام، فإن السؤال هو: هل تستطيع إيران الصمود إلى أن يحدث ذلك؟
هذه هي نقطة الاختبار.
فواشنطن تمتلك اقتصاداً متنوعاً، وإنتاجاً نفطياً ضخماً، وعملة هي إحدى أهم عملات العالم، وأسواقاً مالية عميقة، وشبكة واسعة من الحلفاء.
أما إيران فاقتصادها أكثر تعرضاً للعقوبات، وأكثر اعتماداً على عائدات الطاقة، وأقل قدرة على الوصول إلى النظام المالي العالمي.
لذلك فإن مرونة الاقتصاد الأميركي أعلى، حتى لو كانت كلفة الأزمة مرتفعة.
الصين: العامل الذي قد يغيّر المعادلة
لكن هناك لاعباً ثالثاً يمكن أن يغيّر الحسابات كلها: الصين.
إذا قررت بكين تقديم دعم اقتصادي واسع لإيران، سواء من خلال شراء النفط، أو تسهيل التجارة، أو توفير قنوات مالية بديلة، أو المساعدة في تأمين بعض الواردات الأساسية، فإن عمر قدرة إيران على الصمود قد يطول بشكل كبير.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الصين ستدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
الأرجح أن بكين، إذا قررت التدخل، ستبحث عن صيغة تسمح لها بمساعدة إيران من دون تحويل الأزمة إلى حرب أميركية-صينية مباشرة.
وهنا يصبح السؤال: هل تريد الصين إنقاذ إيران، أم تريد فقط منع انهيارها؟
الفرق بين الاثنين كبير.
إنقاذ إيران بالكامل يعني تحدي الولايات المتحدة مباشرة، أما منع انهيارها فيعني الحفاظ على الحد الأدنى من قدرتها الاقتصادية إلى حين الوصول إلى تسوية سياسية.
وهذا الخيار الثاني يبدو أكثر انسجاماً مع منطق المصالح الصينية.
روسيا تستطيع المساعدة… ولكن بحدود
يمكن لروسيا أن تقدم دعماً سياسياً واقتصادياً لإيران، لكن قدرتها على تعويض الاقتصاد الإيراني بالكامل تبقى محدودة.
روسيا نفسها تخوض صراعاتها الاقتصادية والجيوسياسية، كما أن قدرتها على الوصول إلى الأسواق والنظام المالي العالمي ليست مفتوحة بلا حدود.
لذلك يبقى الدور الصيني أكثر أهمية من الناحية الاقتصادية.
لكن حتى الصين لا تستطيع إلغاء قوانين الاقتصاد. يمكنها شراء النفط الإيراني، وتوفير بعض السلع، وتسهيل بعض المعاملات، لكنها لا تستطيع بسهولة تعويض كل التجارة التي تمر عبر الممرات البحرية العالمية، ولا إزالة آثار التضخم وانهيار العملة إذا أصبحت الأزمة شاملة.
من سينهار أولاً؟
يجب الحذر من استخدام كلمة «انهيار».
إيران عاشت سنوات طويلة تحت العقوبات، وطورت اقتصاداً موازياً وشبكات تهريب وقنوات مالية غير رسمية. لذلك فإن القول إن الاقتصاد الإيراني سينهار خلال أسابيع قد يكون مبالغاً فيه.
لكن القول إن إيران تستطيع تحمل حصار مفتوح بلا ثمن هو أيضاً غير واقعي.
الأصح هو الحديث عن تضييق تدريجي لهامش المناورة الإيراني.
كلما طال الحصار، تصبح الخيارات الإيرانية أقل. وكلما اتسعت الأزمة الداخلية، تصبح طهران أمام معادلة صعبة: إما التصعيد للخروج من الخناق، وهو ما قد يؤدي إلى ضربة أكبر، أو التفاوض، وهو ما يعني تقديم تنازلات، أو الانتظار والمخاطرة بأن يصبح الوضع الاقتصادي والاجتماعي أصعب.
حرب الأعصاب
لهذا السبب، فإن المواجهة الحالية ليست فقط حرب صواريخ أو ناقلات نفط.
إنها قبل كل شيء حرب أعصاب.
كل طرف يريد أن يقنع الطرف الآخر بأنه يستطيع الصمود أكثر.
واشنطن تريد إقناع طهران بأن الاقتصاد الأميركي والعالمي يستطيع تجاوز الصدمة.
وطهران تريد إقناع واشنطن بأن استمرار الأزمة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، واضطراب الأسواق، وزيادة الضغط الشعبي والسياسي.
لكن هناك فارقاً أساسياً:
الولايات المتحدة تحتاج إلى إدارة الوقت، بينما تحتاج إيران إلى تغيير المعادلة قبل أن ينفد الوقت.
وهذا يجعل السباق أكثر خطورة بالنسبة إلى طهران.
من يملك الساعة؟
في نهاية المطاف، يمكن اختصار المعادلة في سؤال واحد: من يملك الساعة؟
إذا استمر الوضع الحالي من دون تدخل صيني واسع، فإن الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي يبدوان أكثر قدرة على تحمل الصدمة لفترة أطول.
قد ترتفع أسعار النفط، وقد يتزايد التضخم، وقد تتعرض الحكومات لضغوط سياسية، وقد تنخفض الاحتياطات النفطية، لكن الاقتصاد الأميركي يملك أدوات متعددة لامتصاص الصدمة.
أما إيران، فإن كل يوم إضافي من العزلة يضغط على عائداتها، وعملتها، وتجارتها، وقدرتها على تمويل الاقتصاد.
لذلك فإن معركة هرمز ليست بالضرورة معركة من يملك القوة العسكرية الأكبر.
إنها معركة من يستطيع دفع ثمن الانتظار لفترة أطول.
وحتى الآن، تبدو الكفة الاستراتيجية لمصلحة الولايات المتحدة.
لكن المعادلة ليست محسومة.
فإذا دخلت الصين بثقلها الاقتصادي، أو نجحت إيران في فتح قنوات تجارية ومالية بديلة، أو ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات تفرض أزمة سياسية على الولايات المتحدة، فقد يتغير ميزان الصمود.
أما السيناريو الأخطر فهو أن يقتنع أحد الطرفين بأن الوقت يعمل ضده، فيقرر التصعيد قبل أن يصل إلى نقطة الاختناق.
عندها قد تتحول حرب الاستنزاف الاقتصادية إلى حرب مفتوحة.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة: ليس في السؤال عن من يملك السلاح الأقوى، بل في السؤال عن من سيصل أولاً إلى اللحظة التي يصب فيها استمرار الحرب أكثر كلفة من التسوية.