الدكتور سايد حرقص

بيروت عالقة بين دبلوماسية واشنطن واستراتيجية إيران

6 دقائق للقراءة

تتأرجح بيروت على خط تماس دولي بالغ الحساسية، في لحظة تتقاطع فيها المصالح وتتصادم الاستراتيجيات حول قضية تتجاوز الجنوب والحدود اللبنانية، لتطال موقع لبنان نفسه في الصراع الإقليمي، وهوية قراره السياسي والأمني والسيادي.

في قلب هذا المشهد، يتبلور الصراع بوضوح بين مسارين متناقضين: مسار أميركي دبلوماسي وأمني متسارع يسعى إلى فصل الساحة اللبنانية عن المفاوضات والحسابات الإيرانية، وإعادة تثبيت الدولة اللبنانية بوصفها المرجعية الوحيدة للقرارين السياسي والأمني؛ ومسار إيراني يتمسّك بإبقاء لبنان ضمن دائرة نفوذه، واستخدامه ورقة استراتيجية في مواجهة واشنطن وإسرائيل، من خلال الحفاظ على موقع «حزب الله» كقوة مهيمنة على الدولة، وقادرة على الاستئثار بقرار الحرب والسلم.

الجولات والمباحثات التي يقودها المسؤولون والعسكريون الأميركيون في بيروت لا تبدو مجرد تحرك تقني لمتابعة ترتيبات الجنوب أو تثبيت وقف إطلاق النار. فهي تأتي في سياق أوسع يسعى إلى إعادة رسم قواعد اللعبة اللبنانية، وفصل الملف اللبناني عن أي مقايضة محتملة بين واشنطن وطهران، بحيث لا يبقى لبنان ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل الإيرانية ـ الأميركية.

في هذا السياق، وصل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، إلى بيروت قادماً من إسرائيل، في زيارة مكوكية لمتابعة تطبيق «اتفاق الإطار»، وترتيبات وقف إطلاق النار، وتعزيز حضور الدولة اللبنانية وبسط سلطتها في الجنوب.

وفي موازاة الحراك العسكري، جاء الموقف الدبلوماسي الأميركي أكثر وضوحاً. فقد أعلن السفير الأميركي ميشال عيسى، رداً على أسئلة الصحافيين بعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «مستمرّة»، وأن موعد الجولة المقبلة لم يُحدد بعد، واصفاً الأجواء بأنها «إيجابية». وعندما سُئل عن موعد توقف الحرب، قال إن «الحرب ستتوقف عندما يحين الوقت»، قبل أن يوجه الرسالة الأكثر مباشرة: «قولوا لحزب الله أن يسلّم سلاحه، فيتوقف كل شيء».

هذه العبارة تختصر، إلى حد كبير، جوهر المقاربة الأميركية: السلاح هو العقدة، وحصره بيد الدولة هو مفتاح الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية.

في المقابل، جاء الخطاب التصعيدي الأخير للأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم ليؤكد أن الحزب لا يزال ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة تماماً. فقد حذر من الشروط والتفاهمات المطروحة، ورفض ما وصفه بـ«الإملاءات الخارجية»، في موقف يعكس تمسك الحزب بالمعادلة التي جعلت من سلاحه جزءاً من القرار الإقليمي، لا مجرد قضية لبنانية داخلية.

والأخطر في هذا الموقف ليس فقط رفض شروط محددة، بل ما يكشفه من تمسك بمعادلة أعمق: رفض أن يصبح لبنان خارج الحسابات الإيرانية.

فحين يرفض «حزب الله» فصل الملف اللبناني عن المصالح الإيرانية، تتحوّل الحدود اللبنانية إلى جزء من استراتيجية أوسع تتجاوز قدرة الدولة اللبنانية على التحكم بمساراتها وتداعياتها. وحين يصبح السلاح مرتبطاً بالصراع الإيراني - الاسرائيلي - الاميركي، يصبح قرار الحرب والسلم خاضعاً حكماً لتوازنات وتعقيدات إقليمية ودولية، بعيداً عن القرار السيادي اللبناني وحصريّة الدولة في تحديد مصالحها الوطنية وحماية حدودها وهنا تكمن المشكلة الأساسية.

أولاً، إبقاء القرار اللبناني رهينة للقرار الإقليمي. فتمسك «حزب الله» بسلاحه خارج الإطار الحصري للدولة يعني عملياً استمرار وجود مركز قوة قادر على تعطيل القرار الرسمي أو تجاوزه، ويُبقي لبنان مرتبطاً بالاستراتيجية الإيرانية، أياً كانت طبيعة التسويات التي يجري التفاوض عليها.

ثانياً، رفض تجزئة الأزمات. فربط مستقبل الجنوب بمسار المواجهة الأميركية ـ الإيرانية يعني أن لبنان لا يستطيع أن يفاوض على مصالحه باعتباره دولة مستقلة، بل يتحول إلى جزء من سلة إقليمية أكبر. وفي هذه الحالة، قد يصبح أي تقدم في الملف اللبناني مشروطاً بما يحدث في طهران وواشنطن، وليس بما تريده بيروت.

ثالثاً، إبقاء الدولة تحت سقف القوة الموازية. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تكون دولة كاملة السيادة، مهما امتلكت من مؤسسات ودستور وقوانين. وما لم يُحسم هذا التناقض، سيبقى لبنان عالقاً بين دولة تعلن سيادتها على الورق وقوة تفرض قواعدها على الأرض.

لهذا يجد لبنان نفسه اليوم بين فكي كماشة، في مواجهة مسارين متناقضين وضغوط متصاعدة، قد لا تكتفي بتهديد استقراره، بل قد تدفعه إلى تدمير ما تبقّى من دولته ومستقبله ومستقبل شعبه.

فمن جهة، هناك ضغط أميركي متزايد باتجاه ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، عنوانها الأساسي حصر السلاح بيد الدولة وتثبيت الهدوء على الحدود وإخراج لبنان من دائرة الحروب الإقليمية.

ومن جهة أخرى، هناك «حزب الله» الذي يرفض التعامل مع سلاحه باعتباره ملفاً لبنانياً داخلياً قابلاً للتسوية، ويتمسك به باعتباره جزءاً من منظومة قوة إقليمية أوسع.

لكن المفارقة أن لبنان وشعبه هما اللذان يدفعان الثمن في الحالتين. فإذا بقي السلاح خارج سلطة الدولة، ظلّ البلد معرّضاً للحرب كلما احتاجت إيران إلى ورقة ضغط جديدة في صراعاتها الإقليمية. وإذا تحوّلت المواجهة إلى حرب مفتوحة، فإن اللبنانيين هم الذين سيدفعون ثمنها من أمنهم واستقرارهم واقتصادهم وبنيتهم التحتية ومستقبل أجيالهم.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط حول الجنوب، ولا حول شكل الترتيبات الأمنية المقبلة، بل حول هوية لبنان السياسية وموقع قراره.

هل يكون لبنان دولة تفاوض باسمها مؤسساتها، وتقرر وحدها الحرب والسلم، وتحدد مصالحها الوطنية بمعزل عن صراعات الآخرين؟ أم يبقى ساحة تتقاطع فوقها المشاريع الإقليمية، ويُستخدم موقعه وحدوده كورقة في مفاوضات لا يملك اللبنانيون مفاتيحها؟

السؤال الذي يفرض نفسه على بيروت اليوم ليس ما إذا كانت واشنطن ستنجح في الضغط على لبنان، ولا ما إذا كان «حزب الله» سيستطيع الصمود إلى ما لا نهاية. السؤال الأعمق هو: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تنتزع قرارها من بين أيدي الخارج والداخل معاً؟

فإذا نجحت، يمكن أن يتحول الضغط الدولي إلى فرصة لإعادة بناء الدولة.

أما إذا فشلت، فستبقى بيروت عالقة بين دبلوماسية واشنطن واستراتيجية طهران، فيما يدفع لبنان واللبنانيون، مرة جديدة، ثمن صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، ولا يملكون قرار بدايته ولا القدرة على تحديد نهايته.