يسلك العراق ولبنان مسارين مختلفين في مسعى الدولة إلى ترسيخ احتكارها لوسائل الإكراه والقوة. فالعراق يخوض عملية تدريجية لنزع السلاح، تحركت خلالها بعض الفصائل المسلحة طوعًا باتجاه الخضوع لسلطة الدولة، فيما لا تزال فصائل أخرى تقاوم ذلك. أما لبنان، فيواجه اختبارًا يتمثل في قدرة الدولة على إلزام "حزب الله" بالتخلي عن قدرته العسكرية المستقلة، رغم رفضه الصريح لذلك.
وهنا تحديدًا يكمن الاختلاف الجوهري. في العراق، يجري بناء مسار تتحرك فيه الدولة أولا، ثم تتفاوت استجابة الفصائل، فتتحدد الخطوة التالية وفقًا لمستوى الامتثال أو الرفض. أما في لبنان، فقد أصبح مسار التنفيذ أكثر اعتمادًا على موافقة الطرف الذي يفترض أن يخضع لقرار الدولة.
وتكتسب التجربة العراقية أهميتها تحديدًا لأن بغداد لم تنجح بعد نجاحًا كاملا. لكنها، مع ذلك، عرّفت المشكلة بطريقة مختلفة، وطرحت السؤال الصحيح: كيف ستُخضع الفصائل المسلحة لسلطة الدولة، وليس ما إذا كان ينبغي للدولة أن تمارس هذه السلطة أصلا، بعد أن أكدت مبدأ احتكارها للسلاح، وحددت جدولا زمنيًّا لإخضاع الأسلحة غير الشرعية لسلطتها، وربطت ذلك بعواقب قانونية محتملة، وحصلت على دعم الرئاسات الأربع في البلاد لهذا المبدأ.
أما لبنان، فلم ينتقل بعد إلى هذا التحول المفاهيمي. إذ أكدت السلطة أن قرار الحرب والسلم يعود إلى الدولة، وكلفت الجيش بإرساء احتكار الدولة للسلاح، وكررت مرارًا شعار "دولة واحدة، جيش واحد". لكن إعلانا يصدر من دون خطة للتعامل مع الرفض الذي سيواجهه ليس إلا بيانًا مصممًا ليبدو كأنه سياسة. كانت السلطة تعرف، عندما أصدرت هذا الإعلان، أن "حزب الله" سيرفضه. ومع ذلك أصدرته من دون وضع آلية واضحة لما سيأتي بعد ذلك الرفض. وهذا خيار.
لقد رفض "حزب الله" الجدول الزمني رفضًا قاطعًا، وكذلك التخلي عن قدرته العسكرية وفقًا لشروط الدولة. وموقفه ليس ملتبسًا وغير مفاجئ. وهو ليس فشلا سياسيًّا. الفشل يكمن في طريقة استجابة السلطة لهذا الرفض. فتعاملت معه باعتباره واقعًا يستوجب إعادة التفاوض، بدلا من اعتباره تحديًا لسلطة الدولة يستوجب الإنفاذ. وفي كل مرة يعيد فيها "حزب الله" تأكيد رفضه، يكون رد بيروت جولة جديدة من المفاوضات حول الشروط التي قد تجعل الإنفاذ ممكنًا في يوم ما.
لماذا لا يزال لبنان يناقش الشروط التي يمكن في ظلها للدولة أن تمارس سلطتها، في حين يناقش العراق ما الذي سيحدث للفصائل المسلحة التي ترفض الاعتراف بهذه السلطة؟ وكيف تستطيع دولة ذات سيادة أن تجعل ممارسة سلطتها الدستورية مشروطة بموافقة الفاعل الذي تسعى إلى إنهاء قدرته المستقلة على استخدام القوة؟ وهذا تحديدًا هو الترتيب الذي تواصل السلطات السياسية إعادة إنتاجه عمليًا. فبدلا من الانتقال من القرار إلى الإنفاذ، تنتظر، وفي كل مرة تنتظر فيها، تمنح "حزب الله" شيئًا لم يمنحه إياه الدستور: حق النقض على سلطة الدولة.
كما تجدر الإشارة إلى أنه من الطبيعي ألا تتجاهل السلطة خطر وقوع صراع داخلي حقيقي. لكن لا يمكن أن يتحوّل استحضار هذا الخطر إلى ذريعة دائمة يتم اللجوء إليها كلما حان وقت الإنفاذ. فعندما يصبح مجرد التهديد بالحرب الأهلية كافيًا لمنع الدولة من تنفيذ قراراتها، تكون السلطة قد اختارت أن تسمح لهذا التهديد بأن يحكمها. وهذا الخيار يعود إلى من يتخذ القرار، وليس إلى الخطر في حد ذاته.
وهنا يصبح التباين مع العراق مُدينًا أكثر منه مجرد مصدر للعبرة. فبغداد، رغم أن مشكلة الميليشيات لديها لم تحسم بعد، تبني مسارًا تكون فيه الدولة هي التي تقرر أولا، ثم تجبر الفصائل المسلحة على التكيف مع قرارها. أما بيروت فقد بنت المسار المعاكس، وهو نمط واصلت السلطات القائمة إنتاجه، عهدًا بعد عهد.
ويكشف هذا التباين ما تبدو عليه سيادة الدولة عندما تقرر الحكومة جعل احتكار القوة هدفًا مؤسسيًا، وما يحدث عندما يصطدم الهدف نفسه بنظام سياسي لا يكون فيه الفاعل المسلح خارج الدولة فحسب، بل ممثلا سياسيًا داخلها أيضًا.
وعليه، فإن إعلان هدف استعادة سيادة الدولة لا يعني شيئًا في حدّ ذاته. الإعلان ليس إنجازًا، والتعامل معه باعتباره إنجازًا هو جزء من المشكلة نفسها: فهو يسمح للسلطات السياسية بادعاء الفضل في قرار لم تنفذه. كما لا يمكن أن يستمر الخوف من رد فعل "حزب الله" في أداء وظيفة التبرير الدائم لتأجيل اللحظة التي تُختبر فيها سلطة الدولة فعليًا. فهذا الخوف لا يتحوّل إلى تبرير إلا لأن القائمين على الحكم يواصلون قبوله باعتباره كذلك.
من جهة أخرى، فإن وضع قضية احتكار الدولة لوسائل الإكراه والقوة في سياق إقليمي تتنافس فيه مصالح عدة أطراف خارجية، من بينها تركيا وإيران وإسرائيل وسوريا والولايات المتحدة، لا يعفي الدولة من مسؤولية تنفيذ القرارات التي اتخذتها بنفسها، خاصة بعد الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية في 26 حزيران 2026، والذي وقعه في واشنطن كل من لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، وأضفى بعدًا دوليًا إضافيًا على التزام الدولة اللبنانية بإرساء سلطتها الحصرية على السلاح، من خلال ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من جنوب لبنان بنزع سلاح "حزب الله".
وكما لبنان، لا يتحرك العراق في فراغ إقليمي، بل يواجه ضغوطًا متشابكة من إيران والولايات المتحدة وتركيا وغيرها من الأطراف الإقليمية والدولية. ومع ذلك، لم تمنع هذه الضغوط بغداد من المضي في مسار حصر السلاح غير الشرعي، ولو بصورة تدريجية وغير مكتملة. ومن هنا تكتسب زيارة قاليباف إلى العراق أهمية خاصة: فهي تأتي في لحظة تسعى فيها طهران إلى الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في هذا البلد، بينما تمضي بغداد نحو إخضاع الفصائل المسلحة للمؤسسات الرسمية. وستشكل الزيارة اختبارًا مهمًّا لكيفية تعاطي إيران مع انتقال حليف لها من نموذج النفوذ عبر قوى مسلحة مستقلة إلى نموذج تصبح فيه قدرات هذه القوى خاضعة فعليًا لقرار الدولة.
ويبقى السؤال بالنسبة إلى لبنان عن مدى استعداد سلطاته للمضي قدمًا في تنفيذ قراراتها عندما يكون للإنفاذ كلفة سياسية وأمنية وإقليمية. إذ لا يمكن بلوغ شاطئ السيادة إذا بقيت هذه السلطات تتفاوض مع الموجة التي تمنعها من الإبحار.