صدر أخيرًا للكاتب الصحافي والباحث جهاد فاضل مؤلَّف جديد بعنوان "عمر أبو ريشة شاعر من بلاد الشام"، يقدّم فيه مؤلِّفه قراءة جديدة للشاعر السوري الراحل، متناولا سيرته وعصره وشعره.
ويعزو فاضل تناوله لأبي ريشة في هذا الكتاب إلى كونه "أحد الشعراء العرب الكبار في القرن العشرين. فإذا كان عدد هؤلاء عشرة، فأبو ريشة أحدهم، وحتى لو كانوا خمسة، فمن التعسف إخراجه منهم". كما يلفت في مقدّمة كتابه إلى المكانة الخاصة التي كانت للبنان لدى الشاعر والدبلوماسي، والتي تتبدى "في سيرته الشعرية والحياتية معًا".
في فصول الكتاب (142 صفحة)، الصادر عن "رياض الريّس للكتب والنشر"، ملامح من سيرة أبو ريشة، الشاعر العربي المعاصر المنتمي "إلى جيل شعري تلا جيل شوقي ومهّد لجيل الشعراء الرواد في بداية الخمسينات". وإذا كانت بعض المراجع تفيد بمولد أبو ريشة سنة 1910، إلا أنّ فاضل يورد في كتابه أنّ البداية كانت "عام 1908 في منبج قرب حلب... ولكن أبو ريشة ذكر مرة... أنه وُلد عام 1911 في عكا بفلسطين. فعكا إذن هي مسقط رأسه، لا منبج ولا حلب... لأن والده شافع أبو ريشة كان قائمقامًا عليها في ذلك الوقت". ويلفت فاضل في فصل آخر من كتابه إلى انتماء عمر أبو ريشة إلى "بلاد الشام"، لكونه من مواليد عكا، من أب وُلد "في بلدة القرعون من أعمال البقاع الغربي بلبنان... ولأمّ من أسرة اليشرطي الصوفية في عكا"، مشيرًا إلى أنّ أبو ريشة، ومع أنه "لم يولد في حلب، ولا حتى في سورية، فقد كان لحلب مقام خاص عنده، وفي سيرته شاعرًا".

جرم أدبي
ثم يتطرّق جهاد فاضل في فصول مؤلَّفه إلى "عصر عمر أبو ريشة"، واصفًا "إهمال الباحثين لهذه الحقبة الشعرية المهمة" بأنه "جرم أدبي إن لم يكن جرمًا أخلاقيًّا، لأننا أمام شعراء حقيقيين كانت كل جريمتهم أنهم لم يكتبوا حسب أسلوب التفعيلة الذي اعتُبر بداية الحداثة في الشعر العربي المعاصر...". وفي فصل "ديوان عمر أبو ريشة"، يرى فاضل أنّ "من يعود إلى سيرة الشاعر عمر أبو ريشة، يلاحظ أنّ محصوله الشعري قليل بالنسبة إلى حياته المديدة. كما يلاحظ أنّ مرحلة العطاء الأساسية في سيرته تمثلت في مرحلة صباه وصولا إلى الأربعينات، وأنه أمضى الأربعين الثانية في شبه جفاف شعري لم يكن يقطعه إلا ببعض قصائد مناسبات لا أكثر". علمًا أنّ الشاعر توفي في 14 تموز عام 1990.
ويؤكد واضع كتابَيْ "أم كلثوم نغم مصر الجميل" و"محمد عبد الوهاب بين التقليد والتجديد"، في بحثه عن عمر أبو ريشة، أنّ "الشاعر كان منتبهًا لقلّة محصوله الشعري هذا، بدليل أنه ذكر مرارًا أنّ له مسرحيات شعرية كثيرة كان يعلن عن أسمائها، ومنها مسرحية اسمها "سميراميس"، بدأ يكتبها سنة 1943 في ألف وأربعمئة بيت، كما قال، وظلّ يعيد النظر فيها سبع عشرة سنة (حتى عام 1958)، ولم يصدر منها في النهاية سوى أبيات محدودة!".
تتوالى فصول كتاب "عمر أبو ريشة شاعر من بلاد الشام" لتتناول تأثير المرحلة التاريخية والتقسيمات الجغرافية زمن أبو ريشة على "سوريّة" و"لبنانيّة" بعض شعراء وأدباء تلك الحقبة، كما يشير إلى ابتعاد أبو ريشة عن النثر، "فهو شاعر فقط لا غير"، ثم يخصص فصلا من الكتاب لعلاقة عمر أبو ريشة بالنقد، إذ لقي "الكثير من النقد في حياته وبعد وفاته"، لكن في المقابل، يرى فاضل في بحثه أنّ "في عمر الكثير مما بقي ويبقى، ومنه شعره الوطني الذي حمل أشواق الناس وعبّر عن مشاعرهم الوطنية وتطلعاتهم...".
تفرّد وخصوصيّة
تفاعُل أبو ريشة مع "أزمة الشعر العربي" يفرد له جهاد فاضل فصلا من كتابه، على اعتبار أنّ الشاعر كان "يردد في سنواته الأخيرة أنّ الشعر العربي خضع منذ الخمسينات من القرن الماضي لتخريب منهجي متعمّد، كان من نتيجته هذا التسيُّب الذي لا يخفى على أحد". ثم يقرأ في رأي أبو ريشة بشعر المتنبي وأبو فراس الحمداني، إذ يورد: "قال لي الشاعر الكبير عمر أبو ريشة أكثر من مرة إنّ أبو فراس الحمداني أشعر من المتنبي. في البداية حسبته يمزح، ولكن عندما بدا عليه الجد، نسبت بعض أسباب تفضيله أبو فراس على المتنبي إلى كونه حلبيًّا مثله".
وإذ يدلّل الكاتب جهاد فاضل على بعض الجوانب التي يتناولها في بحثه باقتباسات من شعر عمر أبو ريشة، يتنقل في الفصول اللاحقة من كتابه من علاقة أبو ريشة بـ "المسرح الشعري" و "شعر المناسبات" إلى موقع الشاعر السوري في "طبقات الشعراء"، ثم موقعه بالنسبة لباحثين محدثين قرّروا "أنّ عمر أبو ريشة شاعر كبير له تفرّده وله خصوصيّته، وأنّ شعره يترجم عصره وحياته وصنعته على السواء".
ثم يضيء فاضل على الندوة التكريمية التي أقيمت في "دار الكتب الوطنية" في حلب بين 13 و15 تموز 2004، "إحياءً لذكرى الشاعر الكبير عمر أبو ريشة الذي كان مديرًا لهذه الدار قبل تعيينه سفيرًا لسورية في الخارج". ويجزم في فصل "الحوارات مع الصحافة" أنّ الأحاديث التي أدلى بها الشاعر السوري للصحافة لا تقدّم "فائدة تذكر لدارسي شعره. فبالإضافة إلى طابع التكرار... حتى لكأنها حديث واحد لا غير، فإنها حفلت بالمبالغات التي لم يقم دليل على الكثير منها". ويحسم في مكان آخر أنّ قصيدة عمر أبو ريشة "في طائرة"، التي تشبه في موضوعها قصيدة نزار قباني "غرناطة"، هي السابقة للثانية، إذ يتبيّن "أنّ عمر نظم قصيدته في عام 1953، فيما نظم نزار قصيدته في عام 1965، أي بعد 12 سنة من هذا التاريخ".
ويخصص جهاد فاضل الفصل ما قبل الأخير من كتابه، وعنوانه "التانغو الأخير"، لتناول بعض ما ورد في كتاب "أبكي على زمن خلا من شاعر مثل عمر"، الذي صدر في بيروت لسعاد مكربل، الزوجة الثانية أو الأخيرة للشاعر عمر أبو ريشة. ويترك الكاتب ختام مؤلَّفه لنشر "قصيدة الوداع"، التي يقول عنها إنها لعلّها "آخر قصيدة كتبها الشاعر عمر أبو ريشة قبيل وفاته في الخارج"، وقد نشرتها زوجته سعاد في آخر الكتاب الذي أصدرته عنه، متطرقًا في هذا الفصل إلى الإشكالية التي رافقت ارتباطه بسعاد مكربل في السنوات الأخيرة من عمره وإقامتهما في بيروت، قبل أن يرحل عمر أبو ريشة في الولايات المتحدة الأميركية، حيث "كانت زوجته وأم أولاده، منيرة مراد، إلى جانبه، فيما كانت زوجته الثانية سعاد مكربل، وراء البحار تتسقّط أخباره".
