وكأنها أصابتهم في مقتل... هكذا جاء ردّ حركة "أمل" في بيانها على غلاف "نداء الوطن"، وذنبُ هذه الصحيفة أنها تقول الحقيقة في وقت تُحرج فيه هذه الحقيقة كثيرين! المقالة كانت واضحة وتُختصر في كلمتين: "الحركة لبنانية"... فما الذي أزعج الحركيين أو مَن ينطق باسمهم؟ وكيف تنبّه النبيه إلى ما يحدث داخل حركته من حركات لا أمل في لجمها؟ لماذا لا يُخبر المُخبر علي حسن خليل رئيسه بنيّته إحداث انشقاق في الحركة لمصلحة "حزب الله"، أو لنكون أكثر دقة، لمصلحة الحرس الثوري الإيراني؟ ولماذا بات القرار في عين التينة مرهونًا بخليل نفسه، ولا دور لكثيرين، وعلى رأسهم مَن كانوا العمود الفقري في الحركة على عهد رئيسها نبيه برّي، وفي مقدّمهم النائبان قبلان قبلان وهاني قبيسي؟
في مقالة "نداء الوطن" قلنا اليسير من الكثير، ولكن اليوم سنقول أكثر، وغدًا قد نقول كل شيء. في حركة "أمل" أصوات لبنانية وازنة ترفض رفضًا قاطعًا إبقاء شيعة لبنان رهينة بيد الإيراني، وهذا حال أكثرية الحركيين، من مسؤولي المناطق والمنتسبين إلى مشروع الإمام المغيّب موسى الصدر. لكنّ "حزب الله"، وكما فعل في الدولة العميقة، فوضع وزير ظلّ لكل حقيبة وزارية، ومساعد مدير عام حيث لم يستطع تدجين المدير نفسه، وسيطر على الكلية الحربية منذ قبول الضباط حتى تخرّجهم، وتمكّن من إحكام سيطرته على مالية الدولة وسلطتها القضائية، كذلك فعل بحركة "أمل" بالتحديد، باعتبارها الخطر الأكبر على مشروعه الديني في حال لم تنصهر فيه. ففي أوساطه، كان السيّد حسن نصرالله، يجاهر بتخوّفه من الفتنة الشيعية - الشيعية، ويعتبرها الأخطر على "حزب الله"، وهذا ما جعل الإيرانيين والسوريين يصلحون ذات البين بين "الحزب" و"الحركة" بعد معارك دامية كادت أن تفوق بحدّتها معركة المسيحيين في الداخل اللبناني.
ومن هنا أتى دور علي حسن خليل عند برّي، حيث وُضع في موقعه تحضيرًا له ليكون الخليفة الأوحد، وسُلّمت إليه الملفات الأساسية، وشكّل مع الحاج حسين الخليل ثنائيًا عُرف بـ"الخليلين"، كان خلف الدولة العميقة، من قانون الانتخاب إلى تشكيل الحكومات فإسقاطها، وصولا إلى التعيينات وحلحلة العقد المستحيلة. وكم من بيان وزاري شائك خُطّت مفرداته الدقيقة والحساسة بريشة "الخليلين" وبموافقة الأغلبية. ولمن لا يعرف أيضًا، فيوم رفض برّي وآخرون توزير الوزير جبران باسيل في حكومة سعد الحريري، وضع "التيار الوطني الحر" يومها "فيتو" على توزير خليل، ما دفع "حزب الله" إلى التحرّك منعًا لإخراج خليل، وليس رغبةً في توزير باسيل.
ولأنّ الولايات المتحدة الأميركية وقيادتها الحالية، بالتحديد، تعرف جيّدًا مفاتيح الدولة العميقة ومخططات "حزب الله" السياسية وغير السياسية، فقد فرضت عقوبات على خليل لتقطع الطريق، أولًا، على مشروعية وصوله إلى رئاسة مجلس النواب، ولتمنع، ثانيًا، "حزب الله" من تحقيق هدفه بتذويب حركة "أمل" في جسم الحزب الإيراني.
ولأن المثل اللبناني يقول: "الميّ بتكذّب الغطّاس"، فإن تجربة رئيس الجمهورية مع عين التينة خير دليل على ذلك، خصوصًا وأن الرئيس جوزاف عون لم يلتقِ يومًا مع الرئيس برّي إلا وكانا متّفقَين في وجهات النظر وفي كيفية حماية لبنان، غير أن في كل مرة كان التواصل عبر خليل كان سوء التفاهم حاضرًا إلى أن يلتقيا من جديد فتعود المياه إلى مجاريها.
ولمن لا يعرف، فإن مساعي تفتيت حركة "أمل" اليوم، أو العمل على خلق انشقاقات في داخلها، سببها "حزب الله"، الذي لم يعد قادرًا على تسويق خليل كخليفة أوحد لبرّي، وبالتالي يفضّل انقسام "الحركة" على أن تواجهه موحّدة. وهذا ما قد تشهده الساحة الشيعية في حال لم يتّخذ برّي خطوات جدّية تمنع المخطط الخبيث لـ"الحزب"، الخائف على مصيره ومستقبل مشروعه. ولأن من يكتبون بيانات حركة "أمل" اليوم لا يعرفون ما يُخطَّط لها، فنحن نعذرهم، لكن قبل الهروب إلى الأمام، عليهم التنبّه إلى ما يُحاك، كي لا تُغيَّب حركة "أمل" كما غُيّب مؤسسها، وعلى يد أصحاب المشروع نفسه.
نائب رئيس التحرير