يُنسب إلى الرئيس كميل شمعون قولٌ كان يردده في خضم أزمة 1958: «انظر ماذا يحدث في العراق، تعرف ماذا سيحدث في لبنان». وقد لا تكون العبارة، بهذه الصيغة الحرفية، موثقة في الوثائق التي بين أيدينا، إلا أن مضمونها يعكس بدقة طريقة شمعون في قراءة المشهد الإقليمي. فهو كان يرى أن لبنان لا يعيش أزمته منفرداً، وأن ما يجري في العراق وسوريا ومحيط لبنان قد يتحول، في لحظة معينة، إلى عامل حاسم في تحديد مصير الداخل اللبناني.
والتاريخ أعطى شمعون يومها ما يشبه الدليل على صحة قراءته.
في صيف 1958 كان لبنان يعيش أزمة سياسية وأمنية عميقة، وكانت إدارة شمعون تطلب تدخلاً أميركياً. لكن واشنطن كانت مترددة في إرسال قوات إلى لبنان. وفي 14 تموز وقع الانقلاب العسكري في العراق بقيادة عبد الكريم قاسم، وقُتل الملك فيصل الثاني وولي العهد وعدد من أركان النظام الملكي. وفي اليوم نفسه تغير الحساب الأميركي جذرياً؛ إذ قرر الرئيس أيزنهاور التدخل، ونزلت أولى وحدات المارينز الأميركيين في بيروت في 15 تموز.
بل إن وثائق الخارجية الأميركية تسجل أن شمعون قال في 14 تموز إن التطورات في بغداد أثبتت أنه كان محقاً في تحذيراته، وأن الولايات المتحدة كانت قد قللت من حجم الخطر.
هذه المقدمة التاريخية تصبح شديدة الدلالة إذا نظرنا إلى العراق اليوم.
فالعراق يقف أمام استحقاق مختلف في الشكل، لكنه شديد الشبه في الجوهر: من يملك القرار العسكري؟ الدولة أم القوى المسلحة الموجودة داخلها أو خارج مؤسساتها؟
اليوم تقترب بغداد من موعد 30 أيلول لحصر السلاح بيد الدولة، وسط انقسام داخل الفصائل بين من يقبل بالتسوية ومن يتمسك بقدراته العسكرية. والأكثر دلالة أن إيران نفسها دخلت مباشرة على خط الأزمة من خلال زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد ولقائه قيادات سياسية وفصائلية، في محاولة لمنع الصدام مع الحكومة من جهة، ومنع خسارة الفصائل لسلاحها من جهة أخرى. أي أن المعادلة الإيرانية تبدو، وفق التقارير، أقرب إلى: لا صدام مع الدولة، ولكن لا تسليم كامل للسلاح.
وهنا تكمن أهمية العراق بالنسبة إلى لبنان.
فما يجري ليس مجرد نقاش حول بنادق وصواريخ ومسيّرات. إنه نقاش حول طبيعة الدولة نفسها: هل يمكن أن تكون هناك دولة تمتلك جيشاً ومؤسسات دستورية، وفي الوقت نفسه توجد قوة أخرى تمتلك قرار الحرب والسلم وقدرة عسكرية مستقلة؟
هذه هي العقدة التي واجهها العراق، وهي نفسها التي واجهها لبنان طوال عقود، وإن اختلفت الظروف والتوازنات.
لكن ثمة فرق مهم.
في العراق، يجري البحث عن صيغة تجعل القوى المسلحة جزءاً من النظام السياسي والدولة، مع إنهاء استقلال قرارها العسكري. أما في لبنان، فالمسألة أكثر تعقيداً لأن حزب الله ليس مجرد فصيل مسلح داخل بنية الدولة، بل هو تنظيم سياسي وعسكري واجتماعي متكامل، وله سلاحه وقراره الأمني والعسكري المستقل.
ومع ذلك، فإن الاتجاه الإقليمي العام يستحق الانتباه.
بعد سنوات من صعود نموذج «الدولة داخل الدولة» أو «السلاح الموازي للدولة»، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة معاكسة: إعادة الاعتبار للدولة، وربط القوة العسكرية بالقرار الرسمي.
العراق هو إحدى ساحات الاختبار الأساسية لهذه المعادلة.
وسوريا تمثل ساحة أخرى، بعدما تغيرت البيئة التي كانت تسمح لإيران باستخدام الأراضي السورية ممراً لنفوذها وسلاحها باتجاه لبنان.
أما لبنان، فيبقى الحلقة الأكثر حساسية.
وهنا تعود مقولة شمعون إلى الواجهة، ولكن بصيغة معاصرة:
انظر ماذا يحدث في العراق، لتفهم ما قد يُطلب من لبنان.
فإذا نجحت بغداد في فرض مبدأ أن السلاح لا يستطيع أن يحتفظ بقرار مستقل عن الدولة، فإن ذلك سيخلق سابقة عربية مهمة. ولن يعود السؤال اللبناني محصوراً في «ماذا يريد الأميركيون أو الإسرائيليون من حزب الله؟»، بل سيصبح جزءاً من سؤال أوسع: هل تستطيع الدولة العربية الحديثة أن تستعيد وحدها احتكار القوة والقرار الأمني؟
واللافت أن المسألة العراقية لا تبدو حتى الآن متجهة بالضرورة إلى حرب داخلية. حتى إيران، بحسب التقارير المتداولة عن زيارة قاآني، تسعى إلى منع الصدام بين الفصائل والحكومة، في الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ على نفوذها وعدم خسارة سلاح حلفائها.
وهذا قد يكون النموذج الأكثر أهمية للبنان.
فالمطلوب، في النهاية، ليس بالضرورة أن تستيقظ المنطقة ذات صباح لتجد أن كل السلاح قد اختفى. النموذج الأكثر واقعية قد يكون انتقال السلاح من كونه قوة صاحبة قرار مستقل إلى قوة تخضع تدريجياً للقرار الرسمي، عبر التسويات السياسية وإعادة دمج العناصر والمؤسسات وربط القدرات العسكرية بالدولة.
إذا حدث ذلك في العراق، فسيكون السؤال التالي تلقائياً:
وماذا عن لبنان؟
وهنا تصبح عبارة شمعون أكثر من مجرد ذكرى تاريخية.
فالرجل كان يقرأ لبنان من خلال محيطه. وفي عام 1958، احتاج الأمر إلى انقلاب بغداد حتى تتغير الحسابات الأميركية في بيروت خلال ساعات. أما اليوم، فقد يكون العراق مرة أخرى مؤشراً مبكراً إلى التحول المقبل في لبنان، لكن ليس عبر انقلاب عسكري هذه المرة، بل عبر معركة سياسية وقانونية وأمنية حول احتكار الدولة للسلاح.
والفارق بين 1958 و2026 أن لبنان لم يعد ينتظر فقط ما سيحدث في بغداد؛ بل إن بغداد ودمشق وبيروت أصبحت جميعها أجزاء من معركة واحدة: هل يبقى السلاح أداة نفوذ إقليمي، أم يعود القرار العسكري إلى الدولة؟
لذلك، فإن قراءة العراق اليوم قد تكون فعلاً الطريقة الأفضل لفهم لبنان غداً.
وكما قال شمعون في لحظة تاريخية مشابهة: انظر إلى العراق، تعرف ماذا سيحدث في لبنان.