طارق أبو زينب

"اتفاقية مكة"... نواة نظام إقليمي جديد؟

4 دقائق للقراءة
القيمة العملية للاتفاقية ستُقاس بما سيلي التوقيع (رويترز)

في لحظة تتصدّع فيها منظومة الأمن الإقليمي، خرجت السعودية وتركيا وباكستان من موقع انتظار الحماية إلى موقع المشاركة في إنتاجها. فاتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقّعها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في 7 آب 2026، ليست مجرّد وثيقة للتعاون العسكري، بل إعلان سياسي بأن أمن المنطقة لم يعُد قابلًا لأن يبقى رهينة قرارات القوى الخارجية أو حسابات القوى المتنافسة.

تنطلق الاتفاقية من قاعدة صريحة: أي هجوم مسلّح على إحدى الدول الثلاث يُعدّ هجومًا عليها جميعًا. لكن أهمّيتها لا تكمن في استنساخ المادة الخامسة من ميثاق حلف "الناتو"، بل في بناء مظلّة ردع مرنة تجمع قدرات متكاملة: الثقل الاقتصادي والطاقوي والمكانة الإسلامية للسعودية، وتمرّس الجيش التركي وصناعة أنقرة الدفاعية المتقدّمة، والخبرة العسكرية الباكستانية وقدراتها بوصفها دولة نووية. كما يمنح اختيار مكة الاتفاقية بُعدًا رمزيًا يتجاوز الحسابات العسكرية، ويضعها في إطار التضامن الإسلامي من دون تحويلها إلى تحالف ديني أو طائفي.

جاءت الخطوة امتدادًا لاتفاقية الدفاع السعودية - الباكستانية الموقّعة في أيلول 2025، وبعد تحوّلات كشفت هشاشة النظام الأمني الإقليمي. فالهجوم الإسرائيلي على قطر، والحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ إيران، واستهداف "الحرس الثوري" الإيراني دول الخليج العربي والأردن بالصواريخ والمسيّرات، وتصاعد تهديداته وتهديدات الحوثيين للملاحة وإمدادات الطاقة، كلّها أكدت أن الدول التي تعتمد على ضمانات الخارج قد تجد نفسها مكشوفة عندما تتبدّل أولويات الحلفاء. ومع انتقال الاهتمام الأميركي تدريجيًا نحو منافسة الصين، اتّسعت الحاجة إلى آليات إقليمية تمتلك القدرة على المبادرة، بدل الاكتفاء بانتظار ردود الفعل الدولية.

ولا تبدو اتفاقية مكة موجّهة إلى دولة بعيّنها، لكنها تبعث برسائل حازمة إلى الجميع. لإيران، تقول إن توظيف الصواريخ والوكلاء وتهديد الخليج لن يبقى من دون كلفة جماعية. ولإسرائيل، تؤكد أن محاولات فرض هيمنة أمنية أحادية، أو بناء اصطفافات تتجاهل مصالح القوى الإقليمية الأساسية، ستُقابل بتوازن مضاد. أمّا واشنطن، فتتلقّى رسالة أكثر دقة: الشراكة معها مستمرّة، لكن احتكارها هندسة الأمن الإقليمي لم يعد مطلقًا.

مع ذلك، لا تشكّل الاتفاقية "ناتو إسلاميًا". فلا قيادة عسكرية موحّدة أُعلنت، ولا آلية تلقائية تحدّد طبيعة الردّ، كما تختلف أولويات التهديد لدى أعضائها. السعودية تنظر أساسًا إلى أمن الخليج والبحر الأحمر، وتركيا تراقب المشرق وتمدّد النفوذ الإسرائيلي في جوارها، فيما تبقى الهند التحدّي التقليدي الأكبر لباكستان. غير أن هذا التفاوت قد يتحوّل من نقطة ضعف إلى عنصر قوّة، إذا ما أُدير ضمن منظومة تشاور تُتيح لكلّ دولة دعم الأخرى من دون الانجرار آليًا إلى حروبها.

ولا يلغي هذا المسار التزامات الدول الثلاث القائمة، بل يضيف إليها طبقة إقليمية مستقلّة. فعضوية تركيا في "الناتو"، وعلاقات الرياض مع الولايات المتحدة ومجلس التعاون، وشراكات إسلام آباد، ستبقى حاضرة في حسابات كلّ واحدة منها. الجديد هو امتلاك منصّة تسرّع التشاور بينها وقت الأزمات، وتعزّز مواقع الدول الثلاث في صفقات السلاح ونقل التكنولوجيا. كما أن إبقاء الباب مفتوحًا أمام دول أخرى قد يحوّل النواة الثلاثية إلى شبكة أوسع للأمن الجماعي، شرط وضوح معايير العضوية والالتزام.

القيمة العملية للاتفاقية ستُقاس بما سيلي التوقيع: إنشاء آليات سياسية وعسكرية دائمة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنظيم المناورات المشتركة، وتنسيق الدفاع الجوّي والبحري والسيبراني، وتوسيع الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا. فالاتفاقيات لا تصنع الردع بالنصوص وحدها، بل بقدرتها على إقناع الخصوم بأن الاعتداء سيستدعي ردًّا منسّقًا وسريعًا ومكلفًا.

اقتصاديًا، يحمي الإطار الجديد مشاريع التحوّل والتنمية الوطنية في الدول الثلاث. فالسعودية تحتاج إلى محيط مستقرّ لإنجاز "رؤية 2030"، وتركيا تسعى إلى توسيع صناعتها الدفاعية وممرّاتها التجارية، وباكستان تبحث عن استثمارات وشراكات تقلّل هشاشتها الاقتصادية. وهكذا يصبح الأمن المشترك أداة لحماية التنمية، لا مشروعًا عسكريًا منفصلًا عنها.

اتفاقية مكة ليست نهاية الاعتماد على الغرب، ولا ولادة محور مغلق، بل بداية انتقال من أمن تصوغه القوى الخارجية إلى أمن تشارك دول المنطقة في بنائه. ونجاحها لن يتحدّد بقوّة العبارة التي تنصّ على أن الهجوم على دولة يُعدّ هجومًا على الجميع، وإنما بقدرتها على تحويل مضمونها إلى مؤسّسات وقدرات وإرادة سياسية. فإذا نجحت الدول الثلاث في ذلك، تكون مكة قد دشّنت نواة نظام إقليمي جديد: أقلّ ارتهانًا، وأكثر توازنًا، وأقدر على ردع من يتغذّى على الفوضى.