حسان ثابت رفعت

اتفاق الإطار وقانون مقاطعة إسرائيل

4 دقائق للقراءة

اللافت تدخّل صحافي أجنبي أثناء عقد القمة بين الرئيسين الأميركي واللبناني في البيت الأبيض في 21 تموز الفائت، سائلا: كيف التفاوض مع إسرائيل مع وجود قانون المقاطعة؟ إن هذا السؤال ليس غريبًا عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية في لبنان.

وبالفعل، الملاحظ أنها ليست المرة الأولى التي يتناول فيها الإعلام هذا السؤال وكأنه حلقة أخرى من سلسلة الهجمات على الرئيس جوزاف عون منذ انتخابه، وقد قيل في حينه إن الأكثرية النيابية الكبيرة التي انتخبته سببها إرادة تفادي توافر الأكثرية اللازمة للطعن بالانتخاب أمام المجلس الدستوري. إن هذا الزعم المنتشر حتى بين دعاة المعرفة، قمنا بدحضه في حينه في مقال نُشر بالفرنسية. أما اليوم، وتجاوزًا للباعث السياسي، فإننا نرى في السؤال حول التفاوض مع وجود قانون مقاطعة إسرائيل تجاهلا للقانون، إن لم نقل أكثر.

كان بالإمكان الاكتفاء بأن نحيل المتسائلين إلى مجرد قراءة للقانون الذي صدر عن الرئيس كميل شمعون في العام 1955، مع توقيع وزير الاقتصاد بوصفه الوزير المختص باقتراح القانون، وذلك للدلالة على الأساس الاقتصادي لقانون مقاطعة إسرائيل. ولكن تكرار التساؤل إعلاميًا يبرر أن نسعى إلى اعتماد المزيد من الشرح في إطار وضمن حدود هذا المقال.

لنبدأ بالأسباب الموجبة التي تُنير الخطوط التي أدّت إلى وضع القانون، والتي تميّزت بالدقة منذ وضع أول مشروع (وكان من وضع جامعة الدول العربية في 29/3/1952 وموجهًا لاعتماده من قبل الدول العربية)، وصولا إلى التعديلات التي اقترحتها وزارة الخارجية والمغتربين، بالإضافة إلى ملاحظات أخرى.

إن الغاية من مقاطعة إسرائيل واضحة منذ النص المعتمد من قبل مجلس جامعة الدول العربية، وهي ذات طابع اقتصادي، فحدّدت بإيجاز الأسباب الموجبة لقانون المقاطعة "بأن الحصار الاقتصادي المفروض على إسرائيل من قبل لبنان وسائر الدول العربية يُحتّم استصدار تشريع خاص يُنظّم أعمال مقاطعة إسرائيل، فيحدّد المسؤوليات ويُنزل العقوبات بالمهربين من إسرائيل وإليها".

ومن يستعرض مواد القانون يتأكد من أنها تُنظّم أدوات محاربة المتاجرة وتهريب السلع من وإلى إسرائيل، مع الإشارة إلى المادة الخامسة منه التي استثنت الاتفاقات الدولية التي يكون لبنان طرفًا فيها، فلا تُطبق عليها مواد القانون التي تقضي بالحظر في عقد صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر في هذا الإطار.

إن ما سبق يكفي، في إطار هذا المقال، ليُثبت أن أي تساؤلات حول التفاوض إنما تدلّ على جهل تام بالقانون، وهي مجرد كلام سياسي يخفي محاولة للنيل من دستورية التفاوض الذي قرره ويُديره رئيس البلاد، وهو كلام يُراد منه أن يُعطى، زورًا، قانون مقاطعة إسرائيل بُعدًا سياسيًا سياديًا يتجاوز البعد الاقتصادي الذي لازم وسبّب إطلاق القانون وإقراره.

إن هذا الإنكار لاختصاص رئيس الجمهورية في التفاوض، المستمد من المادة 52 من الدستور، وكأن هذا القانون يُعطّل الصلاحية المنصوص عليها في المادة 52 من الدستور، إن هذا الإنكار لا يستقيم قانونًا، مثلا لسبب اصطدام اختصاص الرئيس بوجود قانون مقاطعة إسرائيل، حسب زعم المعترضين.

إن أي نص تشريعي (أو طبعًا أي نص أدنى من التشريع) لا يمكن أن ينال من أي من صلاحيات رئيس الجمهورية السيادية، (les compétences régaliennes)، لا سيّما تلك الملازمة للقسم وللفقرة الأولى من المادة 49 من الدستور اللبناني، وهي بعكس الخطأ الذي يتردّد والذي يُعيب شرح القانون الدستوري، أي الزعم بأن الدستور بعد الطائف سلب الرئيس صلاحياته. لا مكان هنا لتكرار الأسباب القانونية التي سبق أن عدّدناها في أكثر من مجال، فتفسير الدستور يفرض تفادي الميول السياسية عند المفسّر.

ومن العودة إلى المادة 52 من الدستور، لا حاجة إلى الإطالة، فعلى فرض، جدلا، أنه يوجد أي قانون أو أي نص تشريعي له قوة القانون، افتراضًا مثل قانون مقاطعة إسرائيل، يحدّ من صلاحيات رئيس الجمهورية في التفاوض، فإن هكذا قانون قد أُلغي صراحة بموجب المادة 102 من الدستور، ونصها: "ألغيت كل الأحكام التشريعية المخالفة لهذا الدستور"، ولا نخالنا بحاجة إلى الإشارة إلى أن هذا النص الدستوري يشمل جميع النصوص ذات القوة التشريعية (les dispositions législatives)، وقد ألغاها الدستور فور صدوره.

وأخيرًا، لن يتردّد القارئ الواعي لتطوّر الأحداث في استذكار أن تحديد الحدود البحرية تمّ بموجب اتفاق مع إسرائيل، مُسند إلى صلاحيات رئيس الجمهورية، ولم يطّلع عليه مجلس النواب، كما أنه لم يلقَ اعتراضًا من المعترضين اليوم.


محامٍ، بروفسور مميّز Emérite

جامعة القديس يوسف - كلية الحقوق والعلوم السياسية

مدير عام سابق لوزارة العدل

رئيس سابق للتفتيش المركزي