بدأت طهران تستشعر سخونة العقوبات الأميركية المرتقبة وخطورتها. فالنظام الإيراني يُعاني أصلًا من تداعيات عقود من العقوبات الأميركية التي ازدادت قسوة مع فرض واشنطن سياسة "الضغوط القصوى" على الجمهورية الإسلامية. تقف إيران اليوم على "إجر ونصّ" بفعل الدمار الهائل الذي لحق بقطاعات مختلفة فيها من جرّاء الحرب، فضلًا عن أزمة اقتصادية مستفحلة يلمسها الموالون والمعارضون على السواء، من انهيار العملة الوطنية والارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية الأساسية، مرورًا بالتدهور الجسيم في الخدمات العامة، من مياه وكهرباء، وصولًا إلى حال عدم اليقين والضبابية التي تمنع أي تعاف، ولو طفيف. ووسط هذا المشهد القاتم، تواجه البلاد تصعيدًا أميركيًا على الجبهة الاقتصادية، بالتزامن مع حصار بحري مُحكم يبدو أنه يؤتي ثماره تدريجيًّا.
كيف سيكون ردّ فعل النظام الإيراني على "الحرب الاقتصادية" الأميركية الهادفة إلى خنقه والتمهيد لإسقاطه؟ قد تختار طهران الذهاب إلى الهجوم كوسيلة للدفاع عن وجود نظام ولاية الفقيه، إذ توعّد رئيس أركان القوّات المسلّحة الإيرانية، الميجر جنرال علي عبد اللهي، بأن "القوّات المسلّحة الإيرانية، بما تمتلكه من جاهزية على المستويات البرية والبحرية والجوّية والدفاع الجوّي والفضاء السيبراني، ستردّ على أي تهديدات جديدة من جانب العدو بردود ساحقة ومؤلمة ومدمّرة"، فيما رأى رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف أن واشنطن خلصت، على ما يبدو، إلى أنها غير قادرة على حسم المواجهة العسكرية المباشرة.
وإذ قال قاليباف، مخاطبًا ممثّلي قطاع الأعمال الإيراني والعراقي في بغداد: "يجب علينا وضع خطط للتعامل مع العقوبات الجائرة حتى نتمكّن من التغلّب عليها"، اتهم الولايات المتحدة وإسرائيل باللجوء إلى ما وصفه بحرب اقتصادية ومعرفية، مؤكدًا أن التنمية الاقتصادية والأمن يرتبطان ارتباطًا وثيقًا. ودعا إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بين بغداد وطهران، معتبرًا أن البلدين يستطيعان استخدام عملتيهما الوطنيتين في التبادل التجاري لتقليل الاعتماد على الدولار، في وقت رأى فيه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه "من الأفضل إنهاء الحرب اليوم، بينما نحن في موقع قوّة وكرامة، وفيما يقرّ العالم بأسره بانتصارنا ويؤكد أن أميركا هاجمت مدارسنا ومستشفياتنا ومنشآتنا في انتهاك لكلّ التنظيمات، وهي مكروهة عبر العالم".
ودافع بزشكيان عن مذكرة التفاهم الموقّعة مع أميركا في حزيران بعد مفاوضات شاقة، معتبرًا أن "ما تحقّق خلال المفاوضات كان إنجازًا كبيرًا صادق عليه المجلس الأعلى للأمن القومي". لكنه أكّد: "لن نرضخ تحت أي ظرف للترهيب... وسنتصدّى لهم حتّى الرمق الأخير ونردّ عليهم بصورة ساحقة"، في حين رأى بعض الإيرانيين الذين قابلتهم وكالة "رويترز" أن مزيدًا من العقوبات الاقتصادية قد يعمّق المصاعب ويضعف المؤسّسة الدينية ويؤدّي إلى اضطرابات. وهذا تحديدًا ما يتخوّف منه ملالي طهران: أن يتفجّر الغضب الشعبي فيهزّ عرشهم، علمًا بأنّهم مستعدّون لارتكاب مجازر جديدة بحقّ الإيرانيين الأحرار من أجل الحفاظ على مواقعهم.
وتراجعت عروض النفط الخام الإيراني للمشترين الصينيين منذ أن أعادت واشنطن فرض حصارها على الموانئ الإيرانية في منتصف تموز. واعتبرت الصين، أمس، أن "العقوبات والضغوط" الأميركية على إيران لن تُساهم في حلّ المشكلة، داعية الأطراف المعنية كافة إلى "اتخاذ إجراءات مسؤولة وحلّ المشكلة عبر السبل السياسية والدبلوماسية"، بعدما حضّت واشنطن حلفاءها وبكين على الانضمام إلى حملة واسعة للضغط الاقتصادي على طهران، تهدف إلى "سقوط النظام" فيها من دون معاودة الحرب. وكانت نسبة تفوق 80 في المئة من صادرات النفط الإيرانية تتّجه إلى الصين قبل الحرب، وفقًا لشركة التحليلات "كبلر".
في غضون ذلك، ذكرت وكالة الأنباء العُمانية أن وزيرَي خارجية عُمان وإيران بحثا، خلال اتصال هاتفي، "سُبل تهيئة الظروف الملائمة لاستئناف الحوار والتفاوض، وتطوّرات الملاحة في مضيق هرمز". وأضافت أن الوزيرَين أكدا "أهمّية مواصلة المباحثات للتوصّل إلى تفاهمات عملية وداعمة لاستئناف حرّية الملاحة وانسيابها وأمن المنطقة واستقرارها".