غملوش: من روما يجب أن يبدأ الانتقال من إدارة أزمة لبنان إلى بناء الحل

5 دقائق للقراءة

أكد رئيس جمعية تنمية السلام العالمي، حسين غملوش، أن المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان والمنطقة، وما تشهده من تحركات دبلوماسية وبحث في مستقبل الجنوب والترتيبات المرتبطة به، تفرض الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء حل عادل ومتوازن وقابل للتنفيذ، يعيد الإنسان والدولة والسيادة إلى مركز أي مسار سياسي أو أمني مقبل.

وقال غملوش إن ما صدر خلال اللقاءات الأخيرة في روما والفاتيكان من تأكيد على سيادة لبنان وسلامة أراضيه، وعلى ضرورة العمل من أجل سلام عادل ودائم، يشكل موقفًا مهمًا، إلا أن القيمة الحقيقية لأي جهد دولي لا تُقاس بالبيانات والمواقف وحدها، بل بقدرته على التحول إلى خطوات عملية توقف الاعتداءات، وتنهي الاحتلال، وتحمي المدنيين، وتعيد الأهالي إلى أرضهم وقراهم بأمان وكرامة، وتمكّن الدولة اللبنانية من ممارسة سيادتها ومسؤولياتها على كامل أراضيها.

وأضاف: لبنان صغيرٌ بمساحته، كبيرٌ بتاريخه وحضارته وتضحيات أبنائه. ومن مسؤولية أصدقائه في العالم ألّا يتعاملوا معه كساحةٍ للمصالح والصراعات، بل وطنًا تُصان أرضه وسيادته وكرامة شعبه، وأن يُسانَد جميع أبنائه، من دون تمييز أو تفضيل مكوّن على آخر، في بناء الدولة التي تليق بتاريخ لبنان.

وشدد غملوش على أن الجنوب اللبناني دفع، على مدى عقود، أثمانًا باهظة لصراعات تجاوزت حدود لبنان، وأن أهله ليسوا ورقة في صراع المصالح ولا تفصيلًا في المفاوضات، بل مواطنون لبنانيون لهم الحق في الأمن والكرامة وحماية أرضهم والعودة إلى قراهم وإعمارها.

وأكد أن حماية الجنوب ليست مسؤولية مكوّن لبناني دون آخر، بل مسؤولية الدولة وقضية وطن بأكمله، وأن أمن أهله وكرامتهم ومستقبل أبنائهم يجب ألا تبقى رهينة شروط متقابلة أو صراعات إقليمية ودولية لا يملكون قرارها.

ورأى غملوش أن أي حل جدي لا ينبغي أن يقوم على معادلة يبقى فيها المدنيون وأهل الجنوب رهائن انتظار كل طرف لما سيفعله الطرف الآخر، بل على ضمانات واضحة وخطوات متزامنة ومتوازنة وقابلة للتحقق، تؤدي إلى وقف الاعتداءات، وإنهاء الاحتلال، وحماية المدنيين، وعودة الأهالي وإطلاق إعادة الإعمار، بالتوازي مع تمكين الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية من بسط سلطتها وممارسة مسؤولياتها على كامل الأراضي اللبنانية.

وفي ما يتعلق بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب، اعتبر غملوش أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: من سيأتي بعد اليونيفيل؟، بل يجب أن يبدأ بالسؤال الأهم: «ما المهمة، وتحت أي شرعية، ولأي غاية؟».

وقال: لبنان لا يحتاج إلى استبدال إدارةٍ للأزمة بإدارةٍ أخرى، ولا إلى ترتيبات مؤقتة تؤجل المشكلة. وأي ترتيب دولي مقبل يجب أن يحترم سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وأن يعمل في إطار قانوني واضح، وأن يدعم الدولة اللبنانية والجيش اللبناني ولا يحل محلهما، وأن تكون غايته حماية المدنيين وتثبيت الاستقرار ومساعدة الدولة على ممارسة مسؤولياتها، لا إنشاء منطقة نفوذ دولي جديدة على الأرض اللبنانية.

وأكد رئيس جمعية تنمية السلام العالمي أن استعادة السيادة يجب ألا تتحول في الداخل إلى مشروع غلبة سياسية أو طائفية، مشددًا على أن بناء الدولة لا يمكن أن ينجح إذا شعر جزء من اللبنانيين بأن الدولة تُبنى على حسابه، أو بأنه مستهدف أو مستبعد منها.

وأضاف: استعادة سيادة الدولة لا ينبغي أن تكون انتصارًا لفريق على آخر، كما أن حماية أي مكوّن من مكوّنات الوطن لا يمكن أن تكون مبررًا لإضعاف الدولة. ما يحتاجه لبنان هو جمهورية تحمي جميع أبنائها، ويطمئن إليها الجميع، وتكون فيها السيادة مسؤولية وطنية مشتركة، والمواطنة الكاملة والمتساوية أساس الشراكة الوطنية.

وتابع: لبنان لا يحتاج إلى غالب ومغلوب، بل إلى دولة لا يخاف فيها لبناني من لبناني، ولا يشعر فيها مكوّن بأنه مستهدف، ولا مواطن بأنه متروك؛ دولة قوية بالجميع، عادلة مع الجميع، ومسؤولة عن الجميع.

وأشار غملوش إلى أن تعدد مكوّنات لبنان ليس مشكلة ينبغي إدارتها، بل ثروة وطنية يجب صونها في إطار المواطنة الكاملة والمتساوية. فلا دولة قوية بإقصاء جزء من شعبها، ولا شراكة وطنية حقيقية إذا شعر أي مكوّن بأن الدولة ليست دولته، ولا سيادة مكتملة إذا بقي القرار الوطني موزعًا بين إرادات الداخل ومصالح الخارج.

وأكد أن بناء الدولة يجب أن يكون مشروعًا وطنيًا جامعًا لا مشروع غلبة؛ دولة تكون المرجعية والضمانة لجميع اللبنانيين، وتكون فيها الحقوق والواجبات متساوية، والسيادة مسؤولية مشتركة، والقانون فوق الجميع، وكرامة الإنسان أساس شرعية الدولة ومؤسساتها.

ووجّه غملوش رسالة إلى أصدقاء لبنان والمجتمع الدولي، قائلًا: لا يحتاج لبنان إلى أصدقاء يختارون بين أبنائه، بل إلى أصدقاء يقفون إلى جانب جميع اللبنانيين. ومن يريد أن يكون قريبًا من لبنان، عليه أن يكون قريبًا من جميع اللبنانيين؛ ومن يريد مساعدته، فليساعده على بناء دولة تحمي جميع أبنائها، لا على إدارة الانقسام بينهم؛ وليدعم سيادته، لا نفوذه فيه؛ وليكن شريكًا في الحل، لا طرفًا في صراع المصالح على أرضه.

وأكد أن السلام الذي يحتاجه لبنان لا يمكن أن يكون مجرد هدوء مؤقت بين جولتين من العنف، ولا تسوية تؤجل أسباب النزاع إلى موعد آخر، بل سلامًا عادلًا ومستدامًا يقوم على احترام السيادة والقانون، ويحمي الإنسان، ويعيد الأهالي إلى أرضهم، ويصون السلم الأهلي، ويمنح اللبنانيين جميعًا الثقة بأن الدولة هي مرجعيتهم وضمانتهم.

وختم غملوش:

لا غلبة لمكوّن على آخر، ولا استقواء بالخارج، ولا جنوب يُترك وحيدًا، ولا سيادة منقوصة، ولا سلام يقوم على خوف جزء من اللبنانيين من مستقبلهم.

لبنان كلّه، وأهل الجنوب، والسيادة، والسلم الأهلي، وكرامة الإنسان، فوق أي اصطفاف داخلي أو مصلحة خارجية.

فلا انتصار لفريق على فريق، ولا إقصاء لمكوّن، ولا حماية لمكوّن على حساب مكوّن آخر.

لقد حان وقت الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الحل؛ حل تكون فيه الدولة ضمانة الجميع، والمواطنة الكاملة والمتساوية حق الجميع، والسيادة مسؤولية الجميع، والسلام مستقبل جميع اللبنانيين.