عاشت العميدة دلال الرحباني مرحلة الانقسام في الأمن العام وشهدت مرحلة إعادة التوحيد وانتقال المديرية من الكولونيل أنطوان دحداح القريب من الرئيس سليمان فرنجية إلى المير فاروق أبي اللمع القريب من الرئيس الياس سركيس. ذلك أن مدير عام الأمن العام عادة ما يكون قريبًا من رئيس الجمهورية وكاتم أسراره. تقول العميدة الرحباني إنّ المير فاروق كان أميرًا في تعاطيه معهم ولكنّه ترك الأمور الأمنية والمعلومات لزاهي البستاني الذي كان له دور كبير في تنظيم عمل الجهاز وربطته علاقة خاصة مع الشيخ بشير الجميل، وهو الذي نقلها للعمل في المعلومات والاستقصاء. لم تدم رئاسة البستاني للجهاز بعد المير فاروق طويلا وفضّل التنحّي. بعده اختار الرئيس أمين الجميل الدكتور جميل نعمة، مدير كلية الحقوق في الفرع الثاني في الجامعة اللبنانية، ليحلّ محلّه. تعتبر العميدة الرحباني أن جهاز الأمن العام كان من أهمّ أجهزة المخابرات في الشرق الأوسط قبل الحرب عام 1975. مرحلة الانتقالات من الكولونيل دحداح إلى المير فاروق ثم زاهي البستاني والدكتور جميل نعمة ترويها لـ"نداء السنين" في "نداء الوطن" و"أم تي في" في هذه الحلقة الثانية.
كيف حصلت عملية التوحيد بعد انتخاب الرئيس الياس سركيس؟
صار الأمير فاروق أبي اللمع مدير عام الأمن العام. وانتقلنا إلى البناء المقابل لقصر العدل قرب وزارة الهاتف والزراعة. بقينا فترة وتوحّدت المديرية وصاروا الكلّ عم يشتغلوا مع بعض وتقسّمت المراكز وحصلت تشكيلات.
لم يحصل انقسام كبير كما حصل في الجيش؟
لا. حصل قصف بين وحدات الجيش في الحرب. في الأمن العام لم يحصل ذلك. كل العالم بقيت تحكي مع بعضها. كان هناك أخذ وعطا مستمرّان بين الطرفين. لكن سياسيًا كان كلّ شيء مقسومًا. هناك قرار وهنا قرار.
كيف اختلف الوضع بين الكولونيل دحداح والأمير فاروق أبي اللمع الآتي إلى المديرية من خلفية مدنية؟ ما هي التوجيهات التي أعطاكم إياها؟ هل حصلت عملية تسليم وتسلّم؟
المير فاروق كان غير شي كلّيًا. أنت عايش في جوّ حرب وهو أتى من جوّ آخر. كان أميرًا في تصرفاته وطريقة تعاطيه معنا. كان إنسانيًا. غير عسكري.
كان لاقط المديرية؟
سياسيّا أكيد. بحكم علاقته بالرئيس الياس سركيس ومع وزير الخارجية فؤاد بطرس. لم يدخل في الأمور الإدارية داخل المديرية. أعطاها لمن كان أدنى منه. لزاهي البستاني الذي كان الأعلى رتبة. ولكن زاهي كان في دورة في فرنسا ولم يكن موجودًا دائمًا. استلم أنطوان بارود الذي كان مستلِمًا إدارة الأمن العام من الداخل. بقيت فكرة وتصرّفات الأمن العام موجودة عن طريق بارود ولكن لم يكن يأخذ القرار إلا مع المير فاروق.
أي مهمّة تولّيتِ مع المير فاروق؟
كنت أول بنت تستلم دائرة الفئات الخاصة في شعبة الأجانب. وفيها الفلسطينيون، من حيث إعطائهم الوثائق وليس سياسيًا، فئات قيد الدرس، المكتومون الذين أوضاعهم إستثنائية، و"الفنانات".
ما كانت أهميتها؟
لا تعرف مع من تتعاطى. بنت تتعاطى مع "فنانات" وأصحاب بارات والوكلاء الذين يستقدمونهنّ. عالم ما كنت أعرف عنه أيّ فكرة.
كيف نجحتِ في هذا العمل؟
طلعت لعند المدير المير فاروق. طلبت مقابلته. قلت له: حطّيتني هونيك وأنا ما بعرف شي. ما بدّي إفشل. قال لي: أُمّي إنجيلية وأنتِ إنجيلية. عقلاتكم غير شي. أنتِ يمكن أن تكوني هناك. أريد أن يكون من يتولّى هذه الوظيفة نظيفًا وإذا إحتجتِ أيّ شيء راجعيني. كان أصحاب المحلات يختلفون ويأتون ويضعون المال بالأمانة عندي. وعلى أساس أنّني أحلّ المشاكل بينهم. عملت حاجزًا زجاجيًا في المكتب ومنعت تجاوزه. أنا في المكتب وأمامي أمانة السرّ وبعدها الموظفون والذين يأتون يبقون وراء الحاجز. قبل ذلك كان في كتير "خوش بوش". أوقفت هذه الأمور.
عملتِ قبل ذلك في المعلومات؟
عملت في المعلومات في قصر شقير. كان المسؤول ناجي أبو خليل. اشتغلت على أساس تحليل السياسة العالمية. طلَب مني أن أعمل ملخّصًا. كنت أتابع المجلات والصحف.
معلومات صحافية؟
نعم. كنت أقرأ الصحف والمجلات. كانت حرب فييتنام توشك على الانتهاء. عملت تقريرًا رُفِع إلى الكولونيل دحداح وقرأه وكتبتُ فيه أنّ الحرب تنتهي هناك لتفتح في غير محلّ وقد تنتقل إلى عندنا في الشرق الأوسط. تحليل. نقلوني إلى أمانة السرّ. كنت أيضًا أتابع الأمور القانونية التي تستوجب دفع أموال. كنّا نحتاج إلى مدخول ونريد أن تكون لدينا أمور قانونية لنفرض رسومًا على المرفأ مثلا. قالوا لي في مكتب الدحداح هذه القوانين ونريد بندًا قانونيًا. وجدنا البند واستلمت أمانة السرّ.
بقيتِ في المركز نفسه مع المير فاروق؟
بقيت في قسم الأجانب كل الوقت. في عهد الرئيس أمين الجميل عاد وحصل انقسام في الحرب. عندما استلم زاهي البستاني جمعوا البيروتين. كان أهل بيروت يقدّمون طلباتهم على المتحف. كانت كارثة. ما في محلات تقعد. بناية قديمة. هنغار كانوا يصلحون فيه السيارات. نظّفناه وجهّزناه على السريع لاستقبال الناس. الذين يريدون تقديم طلبات. كانت فترة حاولت تنظيمها ولكن لم أبقَ كثيرًا لأنّه كانت تحصل سمسرات وكنت أرفض ذلك. شيلوها من هون. هيك بكل بساطة.
مع زاهي بستاني نُقِلتِ إلى المعلومات؟
هو طلب ذلك. نقلني إلى المعلومات وكانت ساعة خير. طلع هيدا الشي اللي بحبّو.
كم كان حجم المعلومات في الأمن العام؟ وكم كانت أهمية الأمن العام في هذا المجال في ذلك الوقت بين أجهزة المخابرات الأخرى خصوصًا الشعبة الثانية في الجيش؟
كان الأمن العام والشعبة الثانية.
مع زاهي البستاني صار الأمن العام أهمّ ممّا كان عليه مع المير فاروق من حيث العمل والمعلومات؟
كل واحد عنده شخصيته. قبل الحرب كانوا يحكون عندما كنت صرت في المعلومات عن المدير العام جوزاف سلامة. كان من أهمّ المدراء سياسيًا ليس على مستوى لبنان فقط بل على مستوى الشرق الأوسط. كان عنده غرفة سرّية لا أحد يعرف ما فيها، كما عرفنا كان يدخل إليها ليتّصل ويحصل على معلومات في الاجتماعات. كانوا لاقطين الشرق الأوسط عن طريق السفراء الموجودين. لم تكن هناك دولة ليس عندها جهاز مخابرات في لبنان.
كنتم تعرفون بوجود هذه الأجهزة؟
كلو كان معروف. من كانوا يعطون معلومات كانوا يعطون للكل ويقبضون. هذه مسألة مفروغ منها. المُخبِر يمكن أن يكون عميلا مزدوجًا لأنّ عنده مصلحة في ذلك.
كانوا يتعاملون معكم أيضًا؟
لم تكن لديّ علاقة مباشرة معهم. كانت تصلني المعلومات. الجهاز كما نظّمه زاهي البستاني كان فيه المعلومات والاستقصاء وجهاز توثيق. بقدر ما أحببت هذا العمل استطعت أن أعرف أحد المصادر من خلال خطّ يده. وعرفتُ من خلال هذا الخطّ أنّه يعطي معلومات لغير طرف لأنّني كنت رأيت هذا الخط في مكان آخر. أفدت عن هذا الأمر. بعد ذلك تمّ العمل على إيجاد آلية تنسيق بين الأجهزة من دون تبادل المعلومات لأنّ كل جهاز عنده خصوصية وطريقة شغل. المخابرات تشتغل بطريقة لا تشبه طريقة الأمن العام. في الأمن العام يمكن أن ترسل موظّفًا أو ضابطًا بثيابه العسكرية فيذهب ويحضر عشاء أو مناسبة ويلتقي أشخاصًا معيَّنين ويحصل منهم على معلومات. الجيش لا يعتمد هذه الطريقة. عندهم مُخبِرون. كانت المعلومات عندنا تتقاطع لنعرف شو الصحّ وشو الغلط.
لماذا ترك زاهي البستاني سنة 1983؟
كما يعرف الجميع كان من فريق الشيخ بشير الجميل وكان تفكيرهما متطابقًا ومتفاهمان إلى درجة أن زاهي عندما تزوّج في باريس
تزوج من هيام (أبو سعد)، الضابطة في الأمن العام
نعم. الشيخ بشير ذهب عن طريق المطار ليكون إشبينه متحمّلا كلّ هذا الخطر في تلك الأيام من الأشرفية إلى المطار إلى باريس. هذا يدلّ على عمق تلك العلاقة وقوّتها. عقلية وطريقة الشغل مع الشيخ أمين مختلفة. أصلا الشيخ بشير والشيخ أمين كانوا يضلّوا مختلفين. كل واحد عندو عقلية. الشيخ أمين عنده طريقة في المتن والشيخ بشير عندو طريقة مختلفة مع "القوات". كل واحد بيشتغل على طريقتو. بقي زاهي سنتين تقريبًا. كان عاد من باريس واستلم وما مشي الحال. بعده أتى الدكتور جميل نعمة.
كان مدنيًا أيضًا
كان عميد كلية الحقوق في جل الديب. ولكن كان كتائبيًا ولأنّه من منطقة المتن كانت هناك علاقات بينه وبين الشيخ أمين الذي يعرفه. من المعروف أنّ مدير الأمن العام يكون كاتم أسرار الرئيس. لا يستطيع رئيس الجمهورية أن يفعل ما يمكن أن يفعله مدير الأمن العام. الأمور التي كان يريدها الرئيس ينفّذها مدير الأمن العام. دائمًا كانت كذلك في كل العهود. مدير الأمن العام كان يختاره الرئيس. مع الدكتور جميل نعمة اختلفت طريقة العمل كثيرًا. زاهي البستاني كانت طريقة شغله معلومات. تركيزه كان معلومات. هيك راسو.
أمن؟
نعم أمن. الإدارة كان هناك من يديرها وينتبه لها. كان تركيزه على الأمن. جميل نعمة قانوني في خلفيته. صار يشوف المذكرات الإدارية. صارت هناك مقاربة مختلفة. ولكن بقيت في وظيفتي رئيسة التوثيق السرّي.

لقراءة الجزء الأول من الحوار يرجى الضغط هنا
يتبع الخميس 27 آب 2026
اللواء لطيف اختاره عون وأتى بعقلية المفتش
ريمون روفايل عيّنه الهراوي وهذه قصتي معه
التنصّت كان عند الجميع حتى في شركات خاصة