بدأ العدّ العكسي لموعد تسليم الفصائل العراقية سلاحها إلى الدولة، والمحدّد في 30 أيلول المقبل، وهو موعد يتزامن مع انسحاب آخر جنود قوات "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة من "بلاد الرافدين". تزامُن موعد الانسحاب الأجنبي من البلاد مع حصر السلاح بيد الدولة لم يأتِ من عدم. فالحكومة العراقية التي يرأسها علي الزيدي، المرضيّ عنه أميركيًا، أرادت سحب الذرائع والبساط من تحت أقدام الفصائل المسلّحة، الإيرانية الهوى، التي لا تزال ترفض تسليم سلاحها، وعلى رأسها "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء".
يشترط الفصيلان، اللذان يتمتّعان بثقل عسكري وشعبي، حصولهما على ضمانات ثلاث: الأولى عدم استهدافهما من قبل القوات الأميركية، والثانية عدم ملاحقتهما من قبل قوات "التحالف الدولي"، والثالثة الحصول على مكاسب سياسية إضافية، بما أن الفصائل التي أبدت استعدادها لتسليم سلاحها إمّا دخلت "الجنّة الحكومية"، وإمّا ظفرت بمكاسب سياسية إضافية تخوّلها إقناع بيئتها الحاضنة بجدوى تسليم سلاحها.
يجهد الزيدي لإقناع "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" بالصعود على متن قطار الدولة وتسليم السلاح، أسوة بسائر الفصائل. ولهذه الغاية، فتح رئيس الحكومة خطّين متوازيين للحوار معهما: الأوّل عبر محاورته لـ "الإطار التنسيقي" نفسه، وهو الائتلاف الشيعي الحاكم في العراق والمكوّن الأساسي في حكومته، والثاني عبر محاورة صنّاع القرار في طهران، بحكم أنّ النظام الإيراني هو وليّ أمرهما ونعمتهما.
وهنا تُفهم زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد الأسبوع الماضي، إذ حاول حضّ هذين الفصيلين، بل ربّما إرغامهما على التعنّت وعدم تسليم السلاح في الوقت الراهن، حفاظًا على النفوذ الإيراني في العراق المجاور، الذي تعدّه طهران امتدادًا سياسيًا وعسكريًا حيويًا لها، خصوصًا أن هذا النفوذ يتقهقر في دول عدّة بنى فيها نظام الملالي، منذ عشرات السنين، أسسًا اعتبرها متينة لأذرعه. وسرعان ما انهارت هذه الأذرع كأحجار "الدومينو"، بعد 7 أكتوبر 2023، تحت وطأة الضربات الإسرائيلية القاصمة.
تكشف مصادر عراقية لـ "نداء الوطن" أن رحلة تسليم السلاح لن تكون نزهة سهلة، وتُبدي مخاوفها على حياة الزيدي. فرئيس الحكومة، الذي توعّد الفصائل بالمضي في ملف حصر السلاح حتى النهاية، باتت حياته على المحك، بحسب هذه المصادر التي تحدّثت عن تهديدات جدّية تلقّاها الزيدي، وصلت إلى حدّ التلويح بالتصفية الجسدية. وترسم المصادر العراقية أيضًا صورة قاتمة للمشهد العراقي الأعمّ، وتستند في تشاؤمها إلى قضية مكافحة الفساد وسجن الفاسدين. وهنا تكشف المصادر أن الزيدي لم يذهب بعيدًا جدًا في حملة توقيفاته، وإنّما حرص على غضّ الطرف عن بعض الأطراف والأسماء، لأن سوق بعضها إلى قوس العدالة يعني تفجّر اضطرابات في البلاد قد لا تُحمد عقباها.
وفي ظلّ حساسية الموقف، الذي يزداد تعقيدًا كلّما اقتربنا من موعد 30 أيلول، المهدّد بالإرجاء حتى نهاية العام، وبالتالي ترحيل ملف حصر السلاح، تجري في بغداد محادثات على قدم وساق، ترمي إلى ابتداع مخرج بشأن تسليم السلاح، لا يُحرج الحكومة ولا يُخرج الفصائل المتعنّتة عن طورها. وهنا بدأت المعلومات تتحدّث عن صيغة تضمن للحكومة إنجاز الملف، وبالتالي "تحفظ لها ماء الوجه"، وتحفظ، في الوقت عينه، للفصائل عدم الظهور بمظهر المنكسر الذي سلّم سلاحه تحت الضغط. وتستند هذه الصيغة إلى تفاهم مبدئي بين قوى "الإطار التنسيقي" ورئيس الحكومة، يقضي بتسليم أسلحة الفصائل إلى "الحشد الشعبي"، ليكون الجهة الرسمية المخوّلة حصرها وتخزينها قبل انتهاء المهلة الحكومية. لكن هل سيرضى الزيدي، الذي أقسم على المضيّ في رحلة حصر السلاح حتى النهاية، ولو كلّفه الأمر حياته، بأنصاف الحلول؟ وإن فعل، فهل يضمن استمرار تفيُّئه بـ "المظلّة الترامبية"؟