منذ أن بدأ الحديث الإسرائيلي عن تلة علي الطاهر، تبدو الرواية أقرب الى الدعاية في الأفلام الاميركية وكأن القصة بدأت تتجاوز الوصف العسكري إلى صناعة صورة لحصن استثنائي: تحصينات هائلة، منشآت تحت الأرض، وموقع يكاد يُقدَّم للرأي العام كحصن يصعب اختراقه. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل تعكس هذه الصورة حجم الموقع فعلًا، أم أن بنيامين نتنياهو يضخّم علي الطاهر ليصنع، صدمة عسكرية وسياسية تخدمه في الانتخابات المقبلة؟
في السياسة والحروب، تضخيم الخصم قد يكون جزءًا اساسيا من صناعة الانتصار. فكلما صُوّر الهدف على أنه أقوى وأكثر تحصينًا وأشد خطورة، أصبح التغلب عليه، إنجازًا أكبر من حجمه الحقيقي. وهنا تتحول المعركة من مواجهة موقع عسكري إلى معركة على الوعي والرواية.
وهذا ما يجعل استحضار عنترة بن شداد أكثر من مجرد استعارة شعرية. يقول عنترة في وصف خصمه قبل الانتصار عليه:
وَمُدَجَّجٍ كَرِهَ الكُمَاةُ نِزَالَهُ
لا مُمْنِعٍ هَرَبًا وَلا مُسْتَسْلِمِ
فَطَعَنْتُهُ بِالرُّمْحِ ثُمَّ عَلَوْتُهُ
بِمُهَنَّدٍ صَافِي الحَدِيدَةِ مِخْذَمِ
عنترة لا يكتفي بذكر انتصاره؛ إنه يرفع أولًا من شأن خصمه: مقاتل مدجج بالسلاح، تهابه الكماة ولا يفر ولا يستسلم. ثم يأتي الانتصار ليبدو، بسبب هذه الصورة، أكثر بطولية وإثارة.
وهنا يمكن قراءة الرواية الإسرائيلية حول علي الطاهر من زاوية مختلفة: هل يجري بناء صورة «الهدف المستحيل» تمهيدًا لصناعة «الانتصار الاسطوري»؟
نتنياهو، الذي يدرك أهمية الصورة في السياسة الإسرائيلية، قد يجد في مثل هذا الإنجاز مادة انتخابية شديدة القوة. فالقضاء على موقع قيل إنه محصّن إلى هذا الحد لا يُقدَّم عندها باعتباره عملية عسكرية ناجحة فحسب، بل باعتباره انتصارًا تاريخيًا على هدف جرى تقديمه للرأي العام كرمز للقوة وكتهديد مباشر للكيان الاسرائيلي.
وهكذا تصبح المعادلة واضحة: كلما كبر الخصم في الخطاب، كبر النصر في الصورة. وكلما اقترب الهدف من الأسطورة، أصبحت السيطرة عليه أقرب إلى صناعة صدمة سياسية.
لكن هذه الفرضية لا تعني أن علي الطاهر موقع عادي أو أن الحديث عن تحصيناته مجرد دعاية. فقد تكون للموقع قيمة عسكرية فعلية، وقد تكون تحصيناته معقدة بالفعل. غير أن الفصل بين الحقيقة العسكرية وحجمها الدعائي يبقى ضروريًا، خصوصًا عندما تدخل الانتخابات والحسابات السياسية على خط الحرب.
فهل يريد نتنياهو أن يهزم علي الطاهر عسكريًا فقط، أم أنه يريد أولًا أن يجعله اسطورة خرافية في المخيلة الشعبية، حتى إذا سقط الموقع، بدا كأنه أسقط «حصنًا أسطوريًا»؟
ربما هنا تكمن المفارقة: عنترة كان يضخّم خصمه ليُظهر عظمة انتصاره في الشعر، فهل يفعل نتنياهو الشيء نفسه في عصر الإعلام والانتخابات؟
قد تكون علي الطاهر تلة محصنة، لكن تحويلها إلى أسطورة قبل المعركة قد يكون هو الجزء الأهم من المعركة نفسها. فإذا نجح نتنياهو في إسقاطها، لن يكون قد أسقط موقعًا عسكريًا؛ بل سيكون قد أسقط صورة ضخّمها بنفسه، ثم حوّل سقوطها إلى نصر مزلزل أكبر من حجم التلة ذاتها.