المحامي محمد آصف ناصر

من المستفيد Cui Bono؟

3 دقائق للقراءة

في روما القديمة، عندما تكثر الهزائم والكوارث دون سبب منطقي أو خارج السياق الطبيعي، يبحث المجتمع عن الخطايا، وفي العام 113 ق.م. اشتهرت قضية خرق نذور العفاف لـ"كاهنات فيستال " (Vestal Virgins) التي فتحت الباب أمام القاضي والقنصل الروماني لوسيوس كاسيوس لونجينوس رافيلا (Lucius Cassius Longinus Ravilla) ليطلق مبدأ Cui Bono (من المستفيد؟) ويطلق مدرسة جنائية تتأسس على البحث عن دافع الجريمة. هذه المدرسة تبلورت على يد المحامي الشاب ماركوس تولليوس شيشرون (Cicero) الذي ألقى أول مرافعة في التاريخ تتأسس على نظرية الدافع في العام 80 ق.م. بعنوان "Pro Roscio Amerino” (الدفاع عن سيكستوس روسكيوس الأماريني).

اللافت في تاريخ روما القضائي أن نظرية الدافع كانت استجابة العدالة الطبيعية والنظام القضائي المبدئي على تسيّد الفساد، ففي القضيتين " Vestal Virgins" و"Pro Roscio Amerino” كانت الدولة العميقة في روما المتجسدة في منظومة فساد النخبة المحيطة بالحكم تسعى لتطويع العدالة عبر إحكام قبضتها على آلية الاثبات التقليدية ما أفضى إلى خروج المنطق القانوني والعدالة الطبيعية من قوقعة قواعد الاثبات التقليدية إلى البحث وراء المشهد الذي حبكته منظومة الفساد، وتوصلت العدالة، متجسدة بكل من قاض نزيه (لقب بمطرقة المتهمين) ومحام حكيم وجريء (لقب بحارس الجمهورية)، إلى تجاوز عقبات الظلم وكشف الحقيقة وضمان الامن الاجتماعي.

صباح الاثنين 24 آب 2026، استفاق أهالي طرابلس على خبر إطلاق نار كثيف استهدف حي الأمريكان في جبل محسن أضر بالممتلكات وكاد يزهق الأرواح، واستجاب الجيش اللبناني مشكورا وأعاد نقطة تفتيش كان قد أزالها نتيجة استتباب الامن الاجتماعي.

هذا المشهد ليس منفردًا، ولا يخرج عن السياق العام المتمثل بالتهويل بالويل والثبور وعظائم الأمور وليس حدثًا عابرًا يجيز التعامل معه باستخفاف، لكنه حلقة في مسلسل محاولة إشعال فتنة أخمدها حلف الأوادم الذي أطلقناه من دار الإفتاء في طرابلس يوم 9 كانون الأول 2024، هذا الحلف الذي تمكن بالمحبة والتزام القانون والاحتكام إلى الضمير تجاوز الكثير من التحديات دون عراضات بصمت وحكمة بمواجهة ضجيج فرقة إسماعيل النجار للشتائم والسباب والتهويل والتهديد.

يكاد لا يمر يوم على لبنان، لا يبحث فيه الإسلام السياسي الاعجمي (بكل أطيافه) عن توسيع رقعة النار، فكما يسعى لامتداد لعبة مضيق لوكربي إلى باب المندب، يسعى لامتداد النار لتشمل كل لبنان وتربك الشرعية اللبنانية بخضات أمنية تعرقل مشروع حصرية العنف الشرعي بيد الدولة وسلطاتها الدستورية.

إن التحدي الذي يقع على عاتقنا اليوم كمواطنين هو عدم الانجرار خلف لعبة الأمم كالعادة، وأن نثق ببعضنا وأن نعرف أن جارنا هو أقرب إلينا من حليف مزعوم كائنًا من كان.

لا يوجد حلفاء على حساب الوطن، ولا مصالح خارج إطار شرعية الدولة، فالدولة وحدها تكفل حقوق مواطنيها والاختلاف بالرأي يحل ضمن المؤسسات الدستورية وفي الأطر البنيوية وأندية اللقاء والحوار الاجتماعي، وليس خلف أكياس رمل يراد منها تحويلنا جميعا إلى أكياس رمل ودريئة لمشاريع غريبة عنا.

المواطن اللبناني اليوم أمام خيارين: إما حلف الأوادم والدولة والأمان والازدهار، وإما الاصطفاف خلف ثقافة حولت لبنان من درة الشرق إلى أنهار نفايات.

 لا تسوية بين هذين المنهجين ولا حلول وسط وكل محاولة تسوية بين هذين الخطين هي خيانة لتضحيات الناس وصبرهم، كل تسوية مع الفساد هي خيانة، كل تسوية على حساب منطق الدولة وسلطان القانون هي خيانة.