يوسف طراد

"الحب بالألوان" بين التكعيبية والتعبيرية

3 دقائق للقراءة
تنتمي اللوحة إلى النزعة التكعيبيّة لكنّها تعبيريّة بامتياز

يقول جوزيف بتلر: "إن الأشياء والأفعال هي ما هي عليه، ونتائجها ستكون على ما ستكون عليه، فلماذا إذن نود أن نخدع أنفسنا؟".

معظم لوحات الحب تتحدّث عن الشغف الجميل اللاهب، أما لوحة نيكولاس رجا "الحب بالألوان"، فتتحدّث عن الحضور الدائم للحب في القلوب وفي الطبيعة. فهل نظرت الفنانة، افتراضيًّا، إلى ما صنعه الرب من جمال وأحاسيس، من دون الحاجة إلى قول شيء، وجعلت فرشاتها تتكلم عنها وتترجم الافتراض واقعًا؟

الحب، في تعريف خاص، هو أن تسمح للشخص الذي تحب أن يكون نفسه، لأنك عشقته كما هو، بكل حسناته وسيئاته، وأن تجهد في أن تكون "هو" في اندماج سريالي للأرواح المحبة. لذلك غزلت لنا رجا خيوط لوحة تكعيبية مبهرة، بكل تفاصيلها الآسرة؛ تتراقص فيها الظلال مع أضواء الفضاء، وتسرد حكايات عن أغوار الروح في حوار صامت يستحضر شغف حقبة الفن التكعيبي. فرسمت حبيبَين متشابهَين في الروح، يتواصلان في التفاتة متبادلة، فتشابه الألوان وتداخل الخطوط في شخصيّتَيهما أوحيا باختفاء المسافة بينهما، واندماجهما يملأ فضاء اللوحة بأحاسيس تجعل الغيوم في مرحلة التكثيف، وتكاد تهطل إعجابًا بإخلاصهما.

عودًا على بدء، رسمت نيكولاس رجا الأشياء على ما هي عليه، بطبيعتها وبساطتها. وتقاطعت لغة فرشاتها مع قول بتلر أعلاه، مظهرةً الحب كما هو. فلا ينخدع ناظر بمشهد الحب إلا إذا كان هجر الحبيب من نصيبه، والغيرة من المحبين الصادقين تسكن قلبه.

تنتمي اللوحة إلى النزعة التكعيبية، لكنها تعبيرية بامتياز. فألوانها شديدة الحيوية، ومعناها أقرب إلى إحساس الناظر إليها؛ إذ يندهش من ألوان الحب التي دغدغت شعيرات الفرشاة قبل أن ترسمها رجا بكل حرية. فقفزت من النزعة التكعيبية إلى النزعة التعبيرية، وتآلفت الألوان العديدة في التعبير: الأخضر، والتركوازي، والأصفر، والوردي، والبنفسجي؛ مما جعل اللوحة تتخطى التكعيبية التقليدية التي كانت، في مراحلها الأولى، أكثر تقشفًا في الألوان.

رسمت نيكولاس رجا المساحات الخضراء في أسفل اللوحة بإحساس الحياة والخصب. فجعلت الطبيعة أشبه بكائن له شخصيته، كأنه خارج من ذاكرة أو من حلم طفولي؛ طبيعة حية تتشارك المشهد مع الحبيبَين اللذَين ينعمان بالحب، ولا يحلمان بفضاء أكثر رحابة، لأنهما صنعا فضاء يليق بحبّهما.

في الأشكال شبه الدائرية التي تشبه المتاهات، جاءت المشاهد مبنيّة على حوار بين عالمَين. فالدعسوقة الحمراء، في الدائرة اليسرى المرسومة على خلفية خضراء، هي تعبير عن طبيعة نقية، أما اللون المغبر الذي ظهر فوق المباني في الدائرة اليمنى، فهو دليل على التلوّث في عالم البنيان. فهذا الجانب تحديدًا هو الذي يجعل اللوحة أقرب إلى التعبيرية ذات النفس الفطري والحالم، أكثر من كونها لوحة تجريدية.

كل من ينظر إلى لوحة "الحب بالألوان" لنيكولاس رجا يقرأها قراءة رمزية وشعورية، كما قرأها كاتب هذا المقال المتواضع، لا باعتبارها تفسيرًا قطعيًّا لهدف الفنانة، لأنها تجعل من واقعية بتلر نافذة على الحلم؛ فالأشياء كما هي، لكن الحب يراها بألوان أخرى.