قد يكون ما يخطط له دوليا في المناطق التجريبية في الجنوب أكثر من مجرد ترتيب أمني أو إداري مؤقت. فقد يكون بداية تغيير في واحدة من أكثر القواعد رسوخاً في علاقة الدولة بالجنوب: انتقال الدولة من العمل عبر وسيط حزبي إلى العمل المباشر من خلال مؤسساتها.
منذ تطبيق اتفاق الطائف، قرر قائد الجيش العماد إميل لحود، كما يظهر في تصريحاته، تسليم مهمة تحرير الجنوب وحمايته إلى حزب الله تحت شعار «المكاومة»، فيما قررت الحكومة تسليم ملف الإنماء إلى حركة أمل عبر مجلس الجنوب. وكانت الدولة تدفع وتموّل، فيما يتولى الثنائي الشيعي، عبر مؤسساته وأذرعه، تنفيذ المشاريع والخدمات، وتوزيع التعويضات، وإدارة العلاقة المباشرة مع المواطنين.
وهكذا نجحت دعاية الثنائي الشيعي في خلق نموذج مشوّه للدولة: الدولة تموّل، والثنائي ينفّذ؛ الدولة تدفع، والثنائي يحصد الثمن السياسي والشعبي. لذلك لم يكن المواطن يرى الدولة بوصفها الجهة المسؤولة عن حياته وخدماته وحتى حمايته، بل كان يرى الثتائي الشيعي الذي يأتيه بالمساعدة، أو يعيد إعمار منزله، أو يصلح طريقه، أو يدفع له التعويض. أما الدولة، صاحبة المال والقرار المفترض، فكانت تبقى غائبة عن المشهد.
في حالة حركة أمل، التي تهيمن بشكل كامل على مجلس الجنوب، تحوّل المجلس إلى إحدى أبرز القنوات التي أدارت الحركة من خلالها أموال الدولة المخصّصة للإنماء والإعمار والتعويضات. فأصبحت الدولة مصدر التمويل، فيما تولّت الحركة التنفيذ والتواصل مع المواطنين، بما حجب حضور الدولة، وحوّل أموالها إلى أداة لتعزيز نفوذ الحركة ومصالحها السياسية. أما في الحالة المرتبطة بحزب الله، فقد نشأت منظومة موازية من الجمعيات والمؤسسات التي تولّت تنفيذ مشاريع وخدمات بتمويل من الدولة، إلى جانب دعم وفرته جهات إيرانية. وهكذا تكرّس واقع باتت فيه الحدود بين تمويل الدولة، وتنفيذها، والوساطة السياسية شديدة الالتباس، بحيث لم يعد المواطن يرى الدولة بوصفها المسؤولة عن الإنماء والتعويض والإعمار، بل يرى واجهات سياسية وحزبية تتداخل فيها مصالح ونفوذ القوى السياسية.
المشكلة هنا ليست في وجود جمعيات أو مؤسسات أهلية تساعد الناس، فهذا أمر طبيعي ومشروع في أي مجتمع، بل في تحويل هذه المؤسسات إلى واجهة تحجب الدولة وتستغل أموالها لمصالح حزبية ضيقة. الخطر يبدأ عندما تُموّل الدولة المشروع، وتتحمل الخزينة كلفته، ثم يُقدَّم للمواطن على أنه «مكرمة» من جهة سياسية أو خدمة من شبكة حزبية مرتبطة بها. عندها تدفع الدولة، بينما يحصد الثنائي الرصيد السياسي والاجتماعي.
بهذه الطريقة لا تُضعف الدولة مالياً فقط، بل تُفرَّغ أيضاً من وظيفتها ومعناها. وهنا تتحول أموال الدولة، التي يفترض أن تُستخدم لتعزيز ثقة المواطن بها، إلى أداة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي على حساب الدولة نفسها.
وهنا بيت القصيد في مسألة التغيير الذي قد تكون المناطق التجريبية بصدد اختباره تمهيدًا لتعميمه في المستقبل: أن تستعيد الدولة دورها المباشر في القيام بواجباتها، فتتولى بنفسها إصلاح الطرق، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتنظيم أعمال الإعمار، والإشراف على الأموال والمشاريع، وحماية الشعب والأرض. عندها فقط يدرك المواطن أن الخدمة التي يحصل عليها هي حقّ له من الدولة، وليست منّةً من أي جهة سياسية؛ وأن الدولة ليست مجرد جهة تموّل من بعيد، بل سلطة حاضرة تتحمّل مسؤولياتها وتُحاسَب على أدائها.
وهنا يصبح الأمر أبعد من إعادة الإعمار. إنه محاولة لإعادة تعريف مفهوم الدولة في الوعي العام.
فالانتقال من نموذج «الدولة التي تدفع والوسيط الذي ينفّذ» إلى نموذج «الدولة التي تموّل وتنفّذ وتراقب وتحاسب» يعني عملياً سحب الوظيفة التي صنعت النفوذ السياسي والاجتماعي طوال عقود. ولذلك، فإن المعركة ليست على من يضع أو يبني أو يعبّد الطريق، بل على عقيدة أكثر عمقاً: الدولة هي التي تحمي وتبني.
إذا نجحت هذه التجربة، فقد تفتح الباب أمام نموذج جديد يبدأ من الجنوب ليعم الوطن. الدولة لا تنافس الأحزاب في تقديم الخدمات، بل تستعيد وظيفتها الطبيعية بحيث تصبح المؤسسات الرسمية هي المرجعية الأولى للمواطن. عندها لا يعود السؤال: «من سيعوضني؟» بل «ما هي الآلية الرسمية التي تضمن لي حقي؟».
من هنا، يمكن أن تتحول «المناطق التجريبية»، بعد حلّ أو إبعاد نفوذ مجلس الجنوب والجمعيات التابعة لحزب الله، إلى أكثر من مجرد آلية لإدارة الإعمار؛ فقد تصبح مختبراً عملياً لنموذج جديد للدولة اللبنانية: دولة تحمي وتبني وتنفّذ وتراقب وتحاسب، وتستعيد حقها الحصري في مخاطبة مواطنيها وحمايتهم وخدمتهم.