لم ينجح القطاع السياحي اللبناني في التقاط أنفاسه هذا الصيف، إذ اصطدمت الآمال بموسم واعد بواقع أمني واقتصادي ضاغط أعاد الحركة السياحية إلى دائرة التراجع. وبين انخفاض أعداد اللبنانيين المغتربين الوافدين إلى لبنان، وتقلّص الإنفاق لدى المقيمين، تكبّدت المؤسسات السياحية خسائر مباشرة طالت الإيرادات والإشغال، فيما جاء قطاع الفنادق في مقدمة المتضررين من هذا الانكماش.
لا تقتصر الخسائر على موسم سياحي فائت، بل تمتد إلى قدرة القطاع على الحفاظ على استمراريته ودوره كأحد محركات الاقتصاد اللبناني. فالسياحة ترتبط بسلسلة واسعة من الأنشطة والخدمات، وأي تراجع في أعداد الوافدين أو حجم الإنفاق ينعكس سريعًا على الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة وسائر المؤسسات المرتبطة بالدورة السياحية. ومع تصاعد المخاطر الأمنية، بات الاستقرار العامل الحاسم في قرار السفر إلى لبنان، ما يضع القطاع أمام تحدٍ يتجاوز ضعف الطلب إلى ضرورة استعادة الثقة بالوجهة اللبنانية.
في هذا السياق، يؤكد رئيس اتحاد النقابات السياحية في لبنان ورئيس نقابة أصحاب الفنادق، بيار الأشقرلـ "نداء الوطن"، أن "الخسائر التي لحقت بالقطاع السياحي كبيرة"، لافتًا إلى أن "تراجع المداخيل يعكس بوضوح حجم الضغوط التي تواجهها المؤسسات السياحية هذا العام".
ويوضح الأشقر أن "الخسائر على الصعيد السياحي كبيرة، ويتبيّن ذلك من خلال مقارنة مداخيل المؤسسات بالسنة الماضية، إذ تراوحت نسبة المداخيل حاليًا بين 50 و65 % من مداخيل العام الماضي. هناك مؤسسات تسجل نحو 50 %، وأخرى تصل إلى 60 %، فيما لا تتجاوز أفضل المؤسسات نسبة 65 % من مداخيل السنة الماضية".
ولتوضيح حجم الفارق، يضرب الأشقر مثالا رقميًا، قائلا: "إذا افترضنا أن المؤسسة كانت تحقق العام الماضي مدخولا بقيمة 200 دولار، فهي اليوم تُحقّق ما بين 60 و65 دولارًا. ويعكس هذا التراجع، بحسب الأشقر، حجم الانكماش الذي أصاب النشاط السياحي، بعدما تراجعت الإيرادات إلى مستويات أدنى بكثير من تلك المسجلة في الموسم الماضي".
30 % من المغتربين لم يأتوا
يشير الأشقر إلى أن "أحد أبرز أسباب تراجع النشاط السياحي يتمثل في انخفاض أعداد اللبنانيين المغتربين الذين كانوا يشكلون جزءًا أساسيًا من الحركة السياحية خلال موسم الصيف".
ويقول إن "نحو 30% من اللبنانيين المغتربين لم يأتوا إلى لبنان"، معتبرًا أن "غياب هذه النسبة انعكس بصورة مباشرة على مختلف المؤسسات السياحية، ولا سيما الفنادق التي تعتمد بشكل كبير على حركة الوافدين خلال الموسم".
ولا يقتصر التراجع على عدد القادمين إلى لبنان، إذ يلفت الأشقر إلى "عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في انخفاض الإنفاق لدى اللبنانيين الموجودين في البلاد، نتيجة تراجع إمكاناتهم المالية وقدرتهم على الإنفاق".
ويوضح: "اللبناني الموجود في لبنان بدأت إمكانياته تخف. في السابق كان الشخص ينفق 100 دولار، أما اليوم فأصبح ينفق نحو 60 دولارًا". وبالتالي، فإن القطاع السياحي، وفق الأشقر، "يواجه تراجعًا مزدوجًا: انخفاض عدد الزوار من جهة، وتراجع قيمة الإنفاق السياحي من جهة أخرى".
الأمن يُغيّر حسابات الموسم
وفي قراءة مقارنة بين الموسم الحالي والموسم الماضي، يشدد الأشقر على أن "الوضع الأمني خلال العام الماضي لم يكن مستقرًا، إلا أن الظروف الحالية تختلف بشكل كبير من حيث حجم التصعيد وانعكاساته على قرار السفر إلى لبنان".
ويقول: "صحيح أن العام الماضي لم يكن الوضع الأمني مستقرًا، لكن الوضع لم يكن كما هو اليوم. السنة الماضية لم يكن هناك نحو مليون مهجّر من الجنوب، كما أن بيروت لم تكن قد تعرضت للقصف".
وبرأي الأشقر، فإن "هذا التطور الأمني ترك أثرًا مباشرًا على قرارات اللبنانيين المقيمين في الخارج، إذ إن الأوضاع الأمنية أصبحت عاملا حاسمًا في تحديد وجهتهم السياحية، حتى بالنسبة إلى اللبنانيين الذين اعتادوا تمضية فصل الصيف في وطنهم".
ويشرح أن "عندما قُصفت البيوت، أصبح قرار المجيء إلى لبنان في عزّ الموسم السياحي أكثر صعوبة، ولهذا السبب ألغى كثيرون مجيئهم إلى لبنان". ويؤكد أن "صورة لبنان الأمنية تؤدي دورًا أساسيًا في جذب السياح والوافدين، وأن أي تصعيد ينعكس سريعًا على الحجوزات والحركة السياحية".
الفنادق في مقدّمة المتضررين
يلفت الأشقر إلى أن "قطاع الفنادق كان من أكثر القطاعات السياحية تضررًا نتيجة التطورات التي شهدها لبنان، في ظل تراجع أعداد الوافدين وانخفاض القدرة على الإنفاق، فضلا عن تأثير المخاوف الأمنية على الحجوزات والطلب على الغرف الفندقية".
ويؤكد أن "القطاع الفندقي كان يعوّل على موسم صيفي أفضل، إلا أن التطورات الأمنية حالت دون تحقيق التوقعات المرجوة، ودفعت المؤسسات إلى مواجهة موسم ضعيف على مستوى المداخيل والنشاط".
انتهى الموسم…
في تقييمه النهائي للموسم السياحي، يعتبر الأشقر أن "الفرصة باتت خلف القطاع، وأن الخسائر التي تحققت خلال الموسم يصعب تعويضها بعد انقضائه، قائلا: "انتهى الموسم، واللي راح راح".
ويعكس هذا الموقف حجم الصعوبات التي واجهتها المؤسسات السياحية، بعدما تراجعت الإيرادات إلى مستويات كبيرة مقارنة بالعام الماضي، في وقت كان القطاع يأمل في أن يشكل الموسم الصيفي فرصة لتحريك النشاط وتعويض جزء من الخسائر المتراكمة.
الاستقرار شرط النهوض
ويشدد الأشقر في ختام حديثه على أن "السياحة لا يمكن أن تزدهر أو تستعيد نشاطها في ظل غياب الاستقرار"، معتبرًا أن "الأمن يشكل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها القطاع السياحي في لبنان".
ويختم بالقول: "نحن لا نستطيع أن نعيش من دون استقرار، والحرب هي العدو الأول للسياحة"، مؤكدًا أن "أي نهوض فعلي للقطاع السياحي يبقى مرتبطًا قبل كل شيء بتوفير بيئة مستقرة وآمنة تسمح للوافدين والسياح باتخاذ قرار المجيء إلى لبنان بثقة".
أرقام ومقارنات
تشير بيانات مصرف لبنان الشهرية الى أن إجمالي الايرادات السياحية عن العام 2025 وصلت الى حوالي 4.65 مليار دولار، مقابل نحو 4.57 مليار في 2024.
اللافت أن عدد الزوار ارتفع بنحو 45% في 2025، لكن الإيرادات السياحية لم ترتفع إلا 1.7%. وهذا يعني أن المشكلة في 2025 لم تكن في عدد السياح فقط، بل في مستوى إنفاقهم. فعودة المغتربين والسياح رفعت عدد الوافدين بقوة، لكن الإيرادات بقيت تقريباً عند مستوى 2024. وهذا ما يؤكده التحليل المنشور حديثاً عن القطاع: الإيرادات بقيت عند مستويات مقاربة رغم ارتفاع عدد الوافدين، ما يعكس انخفاض متوسط إنفاق الزائر.
وماذا تقول مؤشرات 2026؟
هنا يجب الحذر من إعطاء رقم تقديري للإيرادات السنوية. آخر سلسلة رسمية منشورة لمصرف لبنان في Travel Services تصل إلى كانون الأول 2025، ولا توجد حتى الآن حصيلة 2026 السنوية.
لكن المؤشرات المتاحة حتى تموز 2026 تعطي صورة واضحة عن الصعوبة التي واجهها الموسم:
عدد المسافرين عبر مطار بيروت خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 بلغ نحو 2.75 مليون مسافر، مقابل 3.80 مليون مسافر في الفترة نفسها من 2025، أي بانخفاض 27.5%. وعدد القادمين انخفض 30.3% إلى نحو 1.44 مليون.
وهذا يجعل العام 2026 مختلفة جذرياً عن 2025: ففي العام 2025 عادت أعداد الزوار بقوة، بينما في 2026 تعرض الموسم لضربة جديدة نتيجة التطورات الأمنية.
ويمكن تلخيص الصورة بهذه المعادلة:
2023: سنة سياحية قوية = 5.6 مليار $
2024: الحرب ضربت الموسم = 4.57 مليار $
2025: عودة السياح بقوة، لكن الإنفاق لم يرتفع = 4.65 مليار $
2026: تراجع جديد في حركة السفر، والرقم النهائي لم يصدر بعد
والأهم بالنسبة إلى الاقتصاد اللبناني أن الإيرادات السياحية ليست مجرد إيرادات لقطاع الفنادق والمطاعم؛ فهي مصدر أساسي للعملات الأجنبية وتمويل العجز التجاري. لذلك فإن انخفاضها ينعكس مباشرة على ميزان المدفوعات والسيولة بالدولار.
مع إسدال الستارة على الموسم السياحي، تبدو مهمة القطاع أصعب من مجرد انتظار موسم أفضل في العام المقبل. فتعويض الخسائر يحتاج إلى استعادة الثقة قبل استعادة الحجوزات، وإلى بيئة أمنية مستقرة تسمح للبنان باستعادة موقعه كوجهة سياحية. أما استمرار التوتر، فيعني إبقاء المؤسسات السياحية تحت ضغط الإيرادات المتراجعة، ويجعل أي انتعاش فعلي مؤجلا إلى حين عودة الاستقرار الذي يشكل، وفق واقع القطاع، شرطًا لا غنى عنه لاستعادة السياحة عافيتها.