لعنة الإنتظار تلاحق لبنان منذ الستينات في القرن الماضي، حيث ضاقت أرضه بزحام المنظمات والقوى الإقليمية والدولية التي لكل منها سياسة ومصالح أكبر منه. انتظار التسويات المتقلبة بين حرب وأخرى في رهان على تكرار القول الشهير : "اللهم لا نسألك رد الظلم بل اللطف فيه". انتظار ما يحمله كل زائر مهما يكن حجمه إلى بيروت وما تأتي به كل زيارة لبنانية إلى عاصمة شقيقة أو صديقة. انتظار أن تتبدل العهود الرئاسية على أمل أن يأتي عهد قليل الإتكال على الآخرين وخفيف الأحمال على اللبنانيين.
إنتظار تبدّل الرياح في المنطقة والعالم. إنتظار تغيّر الرئاسات الأميركية لعل ضوءاً يظهر في النفق الطويل لأزمة الشرق الأوسط وربط لبنان بها. وانتظار أن يعترف اللبنانيون بأنهم في ورطة عميقة، وأن يخرجوا مما وصفهم به دومينيك شغالييه بالقول:"اللبنانيون مصابون بعقدة، فهم من جهة مركز الكون، ومن جهة أخرى يشعرون بعقدة نقص تجاه جيرانهم الأقوياء".
والأحدث في الإنتظارات اليوم هو انتظار الدولة لموعد في أيلول لمعاودة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركا ضمن مسلسل روما بعد مسلسل واشنطن. وانتظار "حزب الله" لوعد إیراني بإجبار إسرائیل في المفاوضات مع أميركا علی "الإنسحاب مرغمة مع خسائر فادحة وهزائم نكراء" على حد ما جاء في حديث الجنرال محسن رضائي أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي وممثل المرشد فيه. وليس من المحتم أن نجد أنفسنا "في انتظار غودو" الذي يأتي ولا يأتي. لكن الفارق قليل جداً بين معاودة أو تأخير مفاوضات روما، كما بين متابعة مفاوضات إسلام آباد أو ثبات الرئيس دونالد ترامب على رفض العودة إلى "مذكرة التفاهم مع إيران".
ذلك أن ما يتحكم باللعبة أقوى من مجرد الانتظار إلى ما بعد الإنتخابات النيابية الإسرائيلية في تشرين الأول والإنتخابات النصفية للكونفرس في تشرين الثاني. ولن يتغير شيء بعد الإنتخابات إذا بقي الوضع هنا على حاله. فالاتفاق الإطاري في طريق مغلق عملياً وإن كان مفتوحاً نظرياً وتقنياً. وهو مغلق في الإتجاهين: مغلق من الطرف الإسرائيلي المصر، ومعه أميركا، على ربط انسحابه بسحب السلاح من "حزب الله" وتفكيك بنيته التحتية. ومغلق من جانب "الحزب" الرافض للتفاوض وتسليم السلاح للجيش والمستعد للقتال دفاعاً عن السلاح و "المقاومة على طريق القدس" والتي تسببت بعودة الإحتلال الإسرائيلي ووصوله إلى الليطاني.
ولا أحد يجهل لماذا يكرر الجنرال رضائي ما قاله الحرس الثوري بعد "مذكرة التفاهم" الفارقة في مياه هرمز، وهو أن "إنهاء الحرب في لبنان وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها يشكلان أحد شروط التفاهم مع الولايات المتحدة". فالجمهورية الإسلامية تنظر إلى لبنان من خلال "حزب الله" وتعتبره جزءاً منها كما كانت حرب اسناد إيران جبهة في حربها. و"الحزب" الذي ولد على يد الشيخ منتظري والحرس الثوري في بعلبك وفي يده رشاش، وكبر وأمام بيته صاروخ، ولم ينقطع التمويل الإيراني له حتى أيام الضيق هناك، يرى في الإرتباط بالحرس الثوري قوة إضافية وحماية له من أميركا وإسرائيل وتقلبات الزمن اللبناني.
لكن ربط لبنان بإيران في الحرب هو خطر كبير عليه كما أن ربطه بأية صفقة إيرانية مع أميركا إلغاء لسيادته وهويته ومن المفارقات أن يبدو إصرار "الحزب" على التمسك بالسلاح والدور أقوى من عزم الدولة على المسارعة إلى حماية المصير. و"ليس من الضروري أن تكون عقول القادة حيث أقدامهم"كما قال دين أتشسون.