ألان سركيس

البطريرك يصفع الذميين: باقٍ على قلوب الممانعين

4 دقائق للقراءة
لم تتوقف الحملة على الراعي بسبب مواقفه السيادية

ليست بكركي هي المستهدفة وحدها. المستهدف هو لبنان الذي تريده البطريركية. وطن الدولة والقرار الحر والذي لا يكون صندوق بريد لإيران ولا منصة لحروبها. من هنا تبدأ الحكاية حيث يجب قراءة الحملة على البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي.

كثرت في الآونة الأخيرة الأحاديث عن إقالة البطريرك أو استقالته. تسريبات وتحليلات وحملات ومحاولات لإظهار المسألة وكأنها أزمة داخلية في الكنيسة المارونية. لكن الحقيقة أبسط وأخطر. الهجمة سياسية بامتياز وليست دينية ولا تنظيمية ولا إصلاحية، إنها هجمة على موقف.

دفع الراعي ثمن مواقفه منذ أن قرر أن يقول ما لا يريد البعض سماعه. وفي تموز 2020، انفجرت المواجهة. طرح الحياد الناشط وطالب بمؤتمر دولي لإنقاذ لبنان. كان العنوان واضحًا وهو لا خلاص للبنان من دون إخراجه من سياسة المحاور وإعادة القرار إلى الدولة.

ومنذ ذلك اليوم، لم تتوقف الحملة. تتراجع حينًا وتعود حينًا آخر، لكنها لا تختفي. ثم جاءت حرب إسناد غزة وبعدها حرب إسناد إيران. هنا ارتفع الصوت أكثر. وقف الراعي ضد الحرب، نادى بالسلام، طالب باستعادة قرار الدولة. ورفض أن يدفع اللبنانيون أثمان صراعات لا يقررونها. وهنا تحديدًا أصبحت بكركي في مرمى الاستهداف لأن المشكلة ليست في شخص البطريرك. المشكلة في الخط الذي يمثله. هناك من ينتقد بكركي لأنه يريد منها دورًا أكبر، وهذا حق مشروع. فبكركي أعطت لبنان الكثير، ومن الطبيعي أن تكون التوقعات منها كبيرة. لكن هناك فريقًا آخر لا يريد من بكركي المزيد. يريد منها الصمت. وهذا الفريق يعرف أن إسكات البطريرك ليس شأنًا كنسيًّا، إنه إنجاز سياسي لمحور يريد أن يبقى لبنان داخل مشروعه.

لذلك تأتي شائعات الاستقالة في هذا التوقيت. نعم، استقالة البطريرك ليست أمرًا مستحيلا. البطريرك لا يبقى إلى الأبد. لكن الاستقالة، عندما تحصل، تكون قرارًا شخصيًا وواعيًا منه عندما يشعر أنه لم يعد قادرًا على الاستمرار ولا تكون نتيجة حملة سياسية ولا تنفيذًا لرغبة أعداء لبنان. قرار التنحي يبقى في يد البطريرك، والراعي، وفق المعطيات الكنسية، مستمر في ممارسة مهامه.

ولا توجد مؤشرات جدية إلى قرار بالتنحي تحت الضغط. بل إن تغيير البطريرك في هذه المرحلة الحساسة ليس خيارًا مرغوبًا، فيما التنسيق مع الكرسي الرسولي مستمر في أدق التفاصيل. ولذلك فإن كل ما يحكى عن قرب رحيل الراعي يحتاج إلى قراءة سياسية قبل أي قراءة أخرى.

لكن المسألة أبعد من الراعي. بكركي ليست شخصًا وكرسي البطريركية المارونية ليس منصبًا سياسيًّا يتغيّر بتغيّر موازين القوى. من يجلس عليه يحمل تاريخًا وخطًا واضحًا ويعمل على حماية لبنان، دعم الدولة، الدفاع عن السيادة، ورفض أن يكون البلد تابعاً لأي محور.

لهذا لن يربح أحد إذا استقال الراعي. حتى لو غاب شخص، يبقى الخط. وقد يكون هذا هو أكثر ما يزعج خصوم بكركي وعلى رأسهم بعض الذميين المسيحيين الذين يستخدمهم حزب الله لمهاجمة بكركي ورئاسة الجمهورية. فالمعركة ليست مع بطريرك بعينه. المعركة مع فكرة لبنان الذي يرفض أن يكون تابعاً.

الراعي قالها قبل سنوات: الحياد هو الطريق. ولو طُبّق الحياد، لكان لبنان تجنب حروبًا كثيرة. حرب إسناد غزة ثم حرب إسناد إيران. وبين الحربين، دفع اللبنانيون من أمنهم واقتصادهم ومستقبلهم. والفاتورة اليوم أصبحت باهظة إلى درجة لم يعد ممكناً تجاهلها.

اليوم يريد البعض إسقاط صاحب الموقف. لكن إسقاط البطريرك لا يسقط الموقف. قد يتغير البطريرك وقد تتغير الظروف. وقد تتبدل الأسماء، لكن بكركي لن تبدل ثوابتها.

تجزم الكنيسة أن البطريرك باقٍ ما دام يرى أنه قادر على حمل الأمانة ولا انتقاص من صلاحياته. وإذا قرر يومًا التنحي، فسيقرر ذلك بإرادته. أما الحياد فلن يكون له عمر بطريرك. سيبقى مطلبًا لبنانيًا، لأن لبنان لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد في قلب الحروب والمحاور.

بكركي قالت كلمتها والراعي رفع راية الحياد ومن الصعب إسقاط الراية بإسقاط حاملها. لذلك يبقى بطريرك الحياد باقيًا حتى الظفر بالحياد والسلام.