تتجه الأنظار في المرحلة المقبلة إلى قدرة لبنان على التقاط الفرص المتاحة أمامه، في ظل اندفاعة عربية ودولية تبدو مستمرة لمساعدته، وسط مؤشرات إلى أن هذه المساعدة لن تبقى رهينة انتظار انفراج المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، بل ستتجه إلى تحريك مشاريع حيوية وأساسية، يمكن أن تشكل رافعة للاقتصاد والاستقرار، في وقت يبدو فيه التفاوض، بوساطة أميركية، عالقًا في شبه جمود بفعل الاستحقاقات الانتخابية في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، قال مصدر سياسي رفيع لـ"نداء الوطن" إن الاندفاعة العربية والدولية لمساعدة لبنان لا تزال قائمة، وإن الاتجاه بدأ يميل بوضوح نحو تفعيل مشاريع أساسية، وعدم ربطها حكمًا بموعد تسريع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لأن دخول كل من إسرائيل والولايات المتحدة في استحقاقاتهما الانتخابية جعل هامش الحركة أضيق، وأدخل المسار التفاوضي عمليًا في مرحلة من الجمود النسبي، ما يفرض الاستفادة من الوقت لتحريك الملفات الاقتصادية والاستثمارية القابلة للتنفيذ".
ولفت المصدر إلى أن "ملف الطاقة يتحرك بقوة، سواء من البوابة القطرية عبر إعادة طرح مشروع التغويز، وهو ما كان مدار بحث في الاتصال الهاتفي بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أو عبر مشاريع استثمارية أخرى يمكن أن تشكل نقلة نوعية في قطاع الكهرباء، وأبرز هذه المشاريع الاستثمارية مشروع بتمويل عراقي بقيمة ثلاثة مليارات دولار، على أن يتمكن المواطن من الحصول على الكهرباء بسعر يقارب تسعة سنتات للكيلوواط، ومثل هذه المشاريع تفتح الباب أمام معالجة أحد أبرز أوجه الأزمة الاقتصادية والمعيشية في لبنان."
وشدد المصدر على أن "الاستثمارات مهما كان حجمها أو الجهات التي تقف خلفها، تحتاج إلى بيئة مختلفة عن تلك التي حكمت التعاطي معها في السنوات الماضية، لأن لبنان لا يستطيع أن يطلب الاستثمارات من جهة، ثم يواجهها بشروط تعجيزية وإجراءات بيروقراطية وممارسات تؤدي في النهاية إلى "تطفيش" المستثمرين، الأمر الذي يفرض في هذه المرحلة الجديدة تغييرًا في العقلية قبل تغيير القوانين والإجراءات، لأن الفرص قد لا تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية، والدول والصناديق والمستثمرون يبحثون عن بيئات واضحة ومستقرة وقابلة للعمل".
وفي المقابل، رأى المصدر أن "المسؤولية لا تقع على الخارج وحده، بل إن الداخل اللبناني مطالب أيضًا بملاقاة هذه الفرص". ودعا "المعاندين والمعرقلين إلى أن يبدأوا "يحكوا لبناني"، بعيدًا من لغة الإملاءات الخارجية، وأن يستجيبوا إلى لغة الحوار العاجل بهدف التوحد حول موقف لبناني جامع، لأن لبنان يحتاج إلى موقف وطني موحد يستطيع من خلاله مواجهة التعنت الإسرائيلي"، محذرًا من "أن استمرار الانقسام الداخلي لا يخدم إلا إسرائيل التي تستفيد من التباينات اللبنانية في إدارة مواجهتها مع لبنان".
وعلى خط دعم المؤسسة العسكرية، أكد المصدر أن "التحضيرات للمؤتمر المزمع عقده في باريس يومي 16 و17 أيلول الحالي قطعت شوطًا متقدمًا، مع تأكد حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، باعتبار فرنسا الدولة المضيفة، ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وملك الأردن عبدالله الثاني، إلى جانب ممثلين عن الدول العربية والصديقة المعنية بتقديم المساعدة للجيش اللبناني، وهذا الحضور يعكس استمرار الاهتمام الدولي بلبنان، وخصوصاً بمؤسساته الشرعية وقدرتها على تثبيت الاستقرار".
ويبدو لبنان أمام فرصة لاختبار قدرته على الانتقال من مرحلة انتظار التسويات إلى مرحلة صناعة الممكن، عبر مشاريع الطاقة والاستثمار ودعم الجيش، شرط أن يواكب الانفتاح الخارجي بتوافق داخلي يضع المصلحة اللبنانية فوق الحسابات الضيقة. فالفرص موجودة، لكن تحويلها إلى نتائج يحتاج إلى قرار لبناني واضح والتوقف عن الانفراد في القرارات المصيرية وفي مقدمها السلم والحرب وحصرية السلاح، ويحتاج أيضًا إلى دولة تعرف كيف تستقبل الدعم وتوظفه بدل أن تبدده العقليات النفعية والمصلحية.