قال كثيرون، طوال الأشهر الماضية، إن رئيس مجلس النواب نبيه بري، غير راض، لا بل منزعج ضمنيًا، من كل ما يفعله "حزب الله" منذ إطلاقه حرب الإسناد الثانية، بعد أن كان وعده أنه لن يتدخل في أي مواجهة إيرانية - أميركية. وقال هؤلاء أيضًا إن برّي بدأ يتمايز عن "الحزب" لأن وزراءه لم ينسحبوا من جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت في 2 آذار ورفعت الغطاء عن "حزب الله" كتنظيم مسلح. لكن الرجل، بعيدًا من "النوايا"، لم يقم يومًا، بأي خطوة "عملية"، ولم يتخذ أي موقف، يدل على أنه ابتعد "فعلا" عن "الحزب" أو بات في خندق الدولة اللبنانية، لا بل في كل موقف يطلقه أو قرار يتخذه، كان يثبّت العكس.
برّي صدى لقاسم
انطلاقا من هنا، تقول مصادر نيابية سيادية لـ"نداء الوطن" إن خطاب "الإستاذ" الإثنين لم يفاجئنا، إذ هو يشبه كل ما يقوله منذ انفجار حرب دعم إيران. أما ما كان ليشكّل مفاجأة حقيقية، فهو تأييده الواضح لخيار الدولة التفاوض لتحرير الأرض، ودعمه حصرية السلاح بيد جيشها، الذي للمفارقة، رسم برّي حوله خطًّا أحمر، إلا أنه لم يطلب من "الحزب" الثقةَ به ومنحَه السلاح والأرض والإمرة، مكتفيًا برفض اختبار إسرائيل قدرات المؤسسة العسكرية.
مواقف بري لم تحمل شيئًا من هذا القبيل، وفق المصادر، بل كانت في الواقع، صدى لمواقف الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، ونسخة "طبق الأصل" عنها، لا أكثر ولا أقل. إذ قال "لا" لكل المسار الذي تسير به الشرعية: لا للمفاوضات، لا للمناطق التجريبية، لا لاتفاق الإطار، إلا أنه لم يطرح البديل. فهل هو المفاوضات غير المباشرة مثلا؟ تسأل المصادر. وإن كان كذلك، فما الذي ستغيّره في النتائج وعلى الأرض، طالما حزب الله متمسّك بسلاحه؟!
الرهان على "الإستاذ" سقط
بعيدًا من هذه التفاصيل ومن محاججة بري في مواقفه والتي تحتاج حبرًا كثيرًا، الأهم هو الرسالة التي أراد بري إيصالها إلى مَن يعنيهم الأمر، وتحديدًا إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. فقد حسم أنه لن يغطي خيارات الشرعية وأنه اختار أن يقف في صف "حزب الله". قد يكون "قلبيًا" غيرَ مقتنع بـ"خبريات" الممانعة كلّها، إلا أن ما يُبنى عليه في العمل السياسي، هو الموقف والأفعال لا النوايا "فالطريق إلى الجحيم معبّدة بالنوايا الحسنة" كما يُقال.
عليه، الرهان على بري وعلى دورٍ سيلعبه مع "الحزب" لعقلنته ولدعم الدولة اللبنانية في معركتها الدبلوماسية مع إسرائيل، سقط بالضربة القاضية، ولم يعد في مكانه.
ما قبل الخطاب وما بعده
كلام رئيس حركة "أمل"، زاد مشهد المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، المعقّد أصلا، تعقيدًا. فهل ستسلّم الدولة بالأمر الواقع هذا، وتبقى منتظرة استفاقة ضمير "أمل" و"حزب الله"، ومسعى إيجابيًا ما، مِن بري تجاه "الحزب"، الأوّل أبعد ما يكون عنه؟ الخيارات أمام الدولة، باتت ضيقة: فإما تصدّق أنها دولة وتشرع في تنفيذ قراراتها السيادية، بدءًا من بيروت إلى البقاع إلى الجنوب لحصر السلاح بما يكسر المراوحة ويحيي المفاوضات، أو فإن الأخيرة ستدخل في ستاتيكو سلبي طويل الأمد.
يبقى أنه لا يمكن للدولة، بل لا يجوز لها، أن تستمر في التعويل على بري الذي فضّل اللحمةَ الشيعية على المصلحة اللبنانية، وقال للشرعية بوضوح "لستُ معكِ". فما كان صالحا من حسابات ورهانات قبل خطابه الإثنين، يجب ألا يستمر، بعده، تختم المصادر.