بعد «اللاءات» الثلاث التي أعلنها الرئيس نبيه بري في خطابه في ذكرى تغييب الإمام الصدر: لا للتفاوض مع إسرائيل، لا للمناطق التجريبية، ولا لنزع سلاح حزب الله، يبدو أن الرهان على تمايز بري عن حزب الله بات أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.
ما تكشفه هذه المواقف هو اقتراب يصل إلى حد التطابق مع موقف حزب الله في القضايا الأكثر حساسية التي تحدد مستقبل لبنان: السلاح، والمناطق التجريبية في الجنوب، والتفاوض مع إسرائيل. وعندما تتطابق المواقف في الملفات التي ترسم مستقبل الدولة، يصبح الحديث عن «تمايز» مجرد وهم، أو محاولة للبحث عن فارق سياسي غير موجود في الواقع.
لقد اعتاد بعض المحللين السياسيين الفصل بين الرئيس نبيه بري وحزب الله، انطلاقًا من أن بري يمتلك خبرة سياسية وبرلمانية طويلة، وأنه أكثر قدرة على المناورة وفتح قنوات التواصل مع الداخل والخارج. لكن السؤال لم يعد عن مهارة المناورة، بل عن القرار النهائي ومضمونه. فعندما تكون الإجابة «لا» أمام كل الخيارات المطروحة، يضيق هامش المناورة إلى حدوده الدنيا، وتتحول السياسة من فن الممكن إلى منطق «العدو أمامكم والبحر وراءكم»، حيث لا يبقى سوى القتال حتى الشهادة أو النصر.
والأخطر أن استمرار هذه المعادلة يجعل مستقبل الطائفة الشيعية نفسها مرتبطًا برهان إيراني عالي المخاطر، يقوم على منطق «كل شيء أو لا شيء». فحين يصبح السلاح جزءًا من الاستراتيجية الإيرانية، وحين تتحول أي محاولة لنزع هذا السلاح أو وضعه تحت سلطة الدولة إلى معركة وجود، يصبح لبنان والطائفة الشيعية معًا أمام خيارات تتجاوز مصالحهما المباشرة وقدرتهما على التحكم بالنتائج.
فالطائفة الشيعية ليست حزب الله، وليست حركة أمل، وليست إيران، ولا يمكن اختصارها بسلاح أو زعيم أو مشروع مواجهة مفتوحة إلى ما لا نهاية. إنها مكوّن أساسي من مكونات لبنان، لها تاريخها وحقوقها ومصالحها ومستقبل أبنائها. وربط مستقبلها بالخيار الإيراني، ثم اعتبار التراجع عن هذا الخيار هزيمة وجودية، يعني عمليًا تحويل أي تسوية سياسية إلى معركة كسر عظم، ووضع أبناء الطائفة أمام معادلة خطيرة: إما الانتصار الكامل، وإما الخسارة الكاملة.
والأغرب أن بري، الذي رفض الفيدرالية واعتبرها خطرًا على وحدة لبنان، تمسّك بخيار سياسي انتحاري وأصرّ على أن يجبر جميع اللبنانيين على السير وراءه، حتى لو كان هذا الخيار يقود لبنان إلى الجحيم خدمةً لمصالح إيران. فهل باتت التعددية السياسية والحضارية، برأي بري، جريمة لا تُغتفر، بينما التضحية بلبنان واللبنانيين من أجل المشروع الإيراني هي الحق والصواب؟
بعد «اللاءات» الثلاث، لم يعد السؤال الحقيقي: هل هناك تمايز بين بري وحزب الله؟ بل السؤال الأكثر وضوحًا هو: هل هناك تمايز بين موقف بري والموقف الإيراني في القضايا التي تحدد مستقبل لبنان؟
والسؤال الأهم: هل ما زال هناك مشروع لبناني مستقل قادر على إخراج الطائفة الشيعية من منطق الرهان الإيراني، وإعادتها إلى منطق الدولة والمصلحة اللبنانية؟ أم أن الثنائي الشيعي اختار ربط مستقبل الشيعة بمعادلة إيرانية عنوانها «كل شيء أو لا شيء»؟
السياسة ليست لعبة مراهنات، والدول لا تُبنى على الاحتمالات، والمجتمعات لا ينبغي أن تدفع ثمن رهانات لا يشارك جميع أبنائها في اختيارها.
في النهاية، قد لا تكون أخطر نتيجة لهذه اللعبة أن يخسر حزب أو ينتصر حزب، أو أن يتراجع مشروع سياسي أو يتقدم آخر؛ بل أن يدفع شعب كامل ثمن رهان إيراني لا ناقة للبنان به ولا جمل، وأن يُطلب بكل وقاحة من لبنان كله أن يدفع ثمن معركة لا يملك قرار بدايتها ولا نهايتها.
الأكيد أن موقف الرئيس بري يبعده عن موقعه الرسمي كرئيسٍ لمجلس النواب، ويعيده إلى موقعه الأساسي كرئيسٍ لحركة أمل. لكن هل قرار بري لبناني مستقل، أم أن «اللاءات» الثلاث ليست سوى صدى لقرار إيراني؟