وائل خير

لبنان العربي

5 دقائق للقراءة

اتسم لبنان المسيحي في الفترة السابقة لإعلان "دولة لبنان الكبير" بقيم وطريقة حياة سجّلها الرحالة والدبلوماسيون الأجانب، وأيضًا بعض أدباء لبنان. استوقف هؤلاء تمسّك المسيحيين، وبالتخصيص الموارنة، بمركزية الإيمان المسيحي في حياتهم اليومية. وكان مارون عبود، في النصف الأول من القرن العشرين، أبرز من خصّص للتقوى المارونية مكانًا في وصفه دورة الحياة في قريته عين كفاع. كان الفلاحون يوقفون أعمالهم في الحقول لتلاوة صلاة "التبشير المسيحي" في أوقاتها، إضافة إلى التزام الإكليروس بـ"صلوات الساعات"، كما كان الاستهجان عامًا لكل خروج عن الالتزام الصارم بالصلوات وأوقاتها.

يذكر عبود أن كاهنًا مرّ بعين كفاع، وكما جرت العادة، قضى الليل ضيفًا على كاهن القرية الذي كان جدّ الأديب اللبناني. أعدّت الخورية فراشًا للضيف، ووضعت إلى جانبه شمعة ليضيئها أثناء صلاة نصف الليل. وكانت دهشتها عظيمة في الصباح، إذ تبيّن لها أن الشمعة، وكانت جديدة، لم تُضأ. خُيّل للخورية أن نهاية الأزمنة لا بدّ قد حلّت، إذ كيف يمكن لكاهن أن يهمل واجبًا دينيًا كصلاة نصف الليل؟

صحّ في مسيحيّي لبنان ذاك الزمن ما وصف به جوستين الشهيد المسيحيين أثناء الاضطهاد في القرون الأولى، وتفوّقهم على الوثنيين بالإيمان والصدق والنبل والاستقامة.

تبدّل المجتمع المسيحي، والماروني خاصة، في القرن العشرين لأسباب تتعلّق بالحداثة، وأيضًا، من دون شك، بتأثير الانتداب الفرنسي الذي وضعهم على رأس الدولة، والذي نشر العلمانية قوامًا لفكرهم السياسي، ولا سيّما عبر بعض المفوضين الساميين ومساعديهم من غلاة المتمسّكين بالعلمنة. ويُضاف إلى دور الإدارة دور المدارس العلمانية الفرنسية في تعميم ذاك الفكر بين الطلبة. وكان مثقفو الموارنة، لتعلّقهم بفرنسا، أكثر إقبالًا على العلمانية من غيرهم. لكن العلمنة والإلحاد، وإن لم يتطابقا، فإنهما تجاورا، ما انتهى ببعض المثقفين إلى تبنّي المدرسة الفرنسية في الإلحاد التي، بتأثير فولتير، هزأت بالدين وسخرت من العبادة، فيما اكتفى الإلحاد الغربي عامة برفض الدين من دون استهزاء.

واري التقى الماروني لا يُفسَّر بعلمانية ربع قرن من الانتداب الفرنسي، وإن كان ذلك من أسبابه.

مما يساعد على تفسير تصرّف مسيحيي لبنان إرثهم الريفي. فالكنيسة المارونية تجمع كل فضائل الريف، وأيضًا نقاط ضعفه. من فضائل الريف العمل في الأرض والتغذية الدائمة لعلاقة الإنسان بالطبيعة، لكن في ثناياها يبرز ضيق الأفق والمشاحنات التي لا سبب لها ولا قيود تحدّها، تحفظها الأجيال وتتناقلها. وليس من المصادفات أن الحضارات كانت، من دون استثناء، وليدة المدن، وهي مصدر اسمها. فـ"الحضارة" في العربية مصدرها "الحضر"، عكس "البداوة"، وفي اللغات الغربية مصدر التعبير "سيفيتاي"، أي "المدينة"، في اليونانية واللاتينية.

تقوم الحياة في المدن على الاختلاط، وتفرض الوداعة والأُنس في التعامل، أو أقله عدم التجريح والإهانة. والاقتصاد الريفي يقوم أصلًا على الاكتفاء الذاتي، فإن تطوّر انتقل إلى اقتصاد سوق ينحصر بتاجر وسيط أو قلّة من الوسطاء يتعاملون مع المزارع عبر الفصول، وهي علاقة عابرة ليس من شأنها تبديل تراث متأصّل في الريف. وحتى هجرات اللبنانيين إلى المدن لا تقضي على الثقافة الريفية، ذلك أن حجم لبنان الضئيل وتعدّد مناخاته لا يقطعان علاقة الريفي بأصوله إن انتقل إلى المدينة، بل يتردّد على موطنه لواجبات اجتماعية، وأيضًا لأسباب مناخية تمكّنه، لقصر المسافة، من الانتقال إلى الأفضل مناخًا، سواء أكان المدينة أم القرية.

لا تقتصر علاقة طوائف لبنان بالريف على الموارنة، بل تشمل أيضًا الدروز والشيعة، ما يجعل معظم اللبنانيين ريفيّي الأصول. لكن لريفية الدروز والشيعة خصائصها.

شاع الشقاق والاقتتال بين الدروز، وفاق بدمويته اقتتال الموارنة، كما يفصّل كتّاب تاريخهم من الدروز. لكن القتال توقّف فجأة، لأسباب كتم الدروز سببها، بعد معركة عين دارة عام 1715، ليتحوّل إلى تنافس سياسي وانتخابي لا يتخطّى حدودًا يلتزمون بها.

الشيعة أيضًا طائفة ريفية تختزن كل صفات الريف، لا بل تضيف إليها ولاءات عشائرية وقبلية. لكن تطورًا كبيرًا تمّ في العقود الأربعة الأخيرة، فضبط الخلافات العميقة الجذور ووحّد صفوف الشيعة في لبنان للمرة الأولى في تاريخهم.

على الرغم من غموض هذه الظاهرة، يميل الرأي إلى ردّ توحيد الصفوف إلى "الحرس الثوري" الإيراني، الذي كان لقاسم سليماني دور بارز في ضبط إيقاع الطائفة الشيعية عبر "التهديد" و"الترغيب".

صراعات اللبنانيين فيما بينهم تعيد إلى الذهن وصف هنري كيسنجر للعقلية العربية: "إن وضعت العربي أمام خيارين وطلبت منه اختيار أحدهما: الخيار الأول يؤدي إلى ازدهاره، وأيضًا إلى ازدهار خصمه، والخيار الثاني يقضي عليه وعلى خصمه، لأجاب من دون تردّد: الخيار الثاني".

إذا طبّقنا نظرية كيسنجر على مكوّنات لبنان، لثبت لنا بالدليل القاطع أن معظمنا عرب خلّص.