تلة علي الطاهر هي العنوان الأكثر تداولا في الجنوب اللبناني خلال الأسابيع الأخيرة. فهذه التلة الاستراتيجية التي كان الجيش الإسرائيلي يتقدم باتجاهها بعد سيطرته على قلعة الشقيف، قبل أن يحوّل وقف إطلاق النار الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من دون استكمال هذا التقدم، تحولت إلى نقطة اختبار جديدة في المواجهة المفتوحة على احتمالات التصعيد.
صحيح أن الجيش الإسرائيلي لم يصل ويحتل علي الطاهر، إلا أن ذلك لا يعني أن التلة خارج سيطرته العسكرية. فهو يواصل استهدافها والمنطقة المحيطة بها، محوّلا البلدات المحيطة بها إلى مناطق عسكرية خالية من السكان، لا سيما كفرتبنيت والنبطية الفوقا ودوحة كفررمان. وفي المقابل، لم ينجح "حزب الله" في الوصول إليها رغم محاولاته المتكررة، والتي أدت إلى سقوط عدد من عناصره.
لا جدال في الأهمية الاستراتيجية لعلي الطاهر. فهي تقع في مقابل قلعة الشقيف، وتشرف على مدينة النبطية والقرى والبلدات المحيطة بها، كما تكشف المنطقة الممتدة من مرجعيون إلى جبل الريحان. لكن، في المقابل، إن سيطرة الجيش الإسرائيلي عليها، في حال حصولها، لن تكون تحوّلا عسكريًّا حاسمًا بقدر ما ستكون إضافة نقطة استراتيجية جديدة إلى سلسلة المواقع التي باتت تحت سيطرته، مثل قلعة الشقيف والتلة البياضة في قضاء صور وغيرها من النقاط المرتفعة.
من هنا، تبدو المبالغة الإسرائيلية في إبراز أهمية تلة علي الطاهر مرتبطة، إلى حد كبير، بالحسابات السياسية والانتخابية. فإذا تمكن نتنياهو من الوصول إليها قبل الانتخابات الإسرائيلية، فسيكون قادرًا على تقديمها كإنجاز عسكري جديد أمام الرأي العام الإسرائيلي.
المفارقة أن "حزب الله" دخل أيضًا في لعبة التضخيم نفسها. عمل على رفعها إلى مستوى الرمز، وصولا إلى الحديث عن محور للصمود والتصدي يمتد من مضيق هرمز إلى تلة علي الطاهر.
قد يرى البعض أن "حزب الله" وقع بذلك في الفخ الذي نصبه نتنياهو، وساهم في رفع قيمة الهدف الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه. لكن، في الواقع، يحتاج "الحزب"، في هذه المرحلة، إلى رمزية عسكرية يرفع من خلالها معنويات عناصره وبيئته، ولذلك استثمر في عدم تمكن الجيش الإسرائيلي من التقدم نحو التلة، وهو عدم تمكن لا يرتبط بقدرات "حزب الله" العسكرية، بقدر ما يرتبط بالفيتو الأميركي الذي منع إسرائيل من استكمال تقدمها.
اليوم، يتزايد الحديث عن احتمال منح ترامب نتنياهو ضوءًا أخضر للسيطرة على علي الطاهر قبل الانتخابات الإسرائيلية. وإذا حصل ذلك، ستكون المفارقة أن "حزب الله" نفسه يكون قد ساهم في تحويلها إلى إنجاز انتخابي جاهز لنتنياهو.
في النهاية، يبدو أن كلا من نتنياهو و"حزب الله" يحتاج، في هذه المرحلة، إلى تضخيم عنوان علي الطاهر: الأول يحتاجها كصورة انتصار قبل الانتخابات الإسرائيلية، والثاني يحتاجها كرمز للصمود ورفع المعنويات.
لكن الدعاية شيء، وموازين القوى على الأرض شيء آخر. والحائل بينهما حتى اليوم هو "الضوء الأخضر" الذي ينتظره نتنياهو من ترامب.
وعندما تتحول علي الطاهر من عنوان في الخطابات إلى ساحة معركة، لن يكون السؤال من نجح في تضخيم أهميتها واستفادة سياسيًّا وشعبيًا أكثر، بل من سيدفع الثمن. وفي كل الأحوال، إذا وقعت المعركة، سيكون المستفيد الأول هو إسرائيل، فيما سيكون الخاسر الأول، مرة جديدة، أهل الجنوب.