ميشال طوق

الزعامة الطائفية: "ناطورة مفاتيح" الدولة والمؤسسات

5 دقائق للقراءة
الحل يبدأ ببناء دولة في الفكر و التربية

في لبنان، تختصر عبارتان علاقة المواطن بالدولة أكثر مما تفعل عشرات النصوص القانونية. الأولى: "ما بتعرف حدا؟"، وتُقال حين يحتاج المواطن إلى الدولة فلا يجدها، يريد تسجيل سيارة، إنجاز معاملة عقارية، الحصول على دواء أو ورقة رسمية، فيبدأ البحث عن موظف أو نائب أو ضابط أو "حدا بيعرف حدا". أما الثانية فهي: "إنت عارف حالك مع مين عم تحكي؟"، وتُقال حين تظهر الدولة فجأة لتطبق قانونًا أو تسجل مخالفة أو ترفض استثناءً. في الأولى، يبحث المواطن عن واسطة ليحصل على حقه، وفي الثانية يستعمل الواسطة كي يتهرب من واجبه. وبين العبارتين يقيم جزء كبير من النظام اللبناني.

قانونيًا، المسألة واضحة. المحامي وعضو مجلس نقابة المحامين في بيروت الأستاذ لبيب حرفوش قال لـ"نداء الوطن" إن استعمال النفوذ للحصول على خدمة أو منفعة خارج الأصول يدخل في منطق الفساد، وإن اعتياد الناس على الممارسة لا يمنحها أي شرعية. طالب الخدمة، وصاحب السلطة الذي يمنحها خلافًا للأصول، والوسيط بينهما، يمكن أن يصبحوا جميعًا جزءًا من التركيبة نفسها. لكن القانون يجيب عن سؤال واحد: هل الواسطة مشروعة؟ أما السؤال الأهم فهو: لماذا أصبح اللبناني يحتاج إليها أصلا؟

الواسطة لم تولد مع الحرب. الزعامة والمحسوبية والوساطة بين المواطن والدولة سبقت عام 1975، بل إن التجربة الشهابية في عهد فؤاد شهاب كانت في أحد وجوهها محاولة لتقوية الإدارة في مواجهة دولة تُدار جزئيًا عبر الزعماء والعائلات السياسية. غير أن الحرب غيّرت حجم الظاهرة ووظيفتها. الوزير السابق والرئيس الأسبق لحزب "الكتائب" كريم بقرادوني قال لـ"نداء الوطن" إن "انهيار الدولة خلال الحرب دفع القوى الموجودة على الأرض إلى تولي وظائف كانت من اختصاص الدولة. في الأشرفية مثلا، تولى إميل عيد دورًا قضائيًا فعليًا، فنُصِّب قاضي في منطقة الأشرفية وحاكم استنادًا إلى القانون اللبناني، فيما أدارت "الهيئات الشعبية"، بإشراف جورج فريحة، عضو فريق عمل بشير الجميل "غامّ"، ملفات يومية كان يفترض أن تديرها السلطة التنفيذية: مستشفيات، مدارس، نفايات، محروقات، كهرباء، نقل ورقابة على الأسعار".

حين تختفي المؤسسة، يصبح الحزب، أو حتى الشخص مؤسسة. ومن يملك الدواء أهم من وزارة الصحة، ومن يستطيع حمايتك في حي لا تصل إليه القوى الأمنية أهم من الدولة نفسها. في تلك اللحظة، لم تعد العلاقة بصاحب النفوذ ترفًا، بل أصبحت جزءًا من آلية البقاء. المشكلة أن الحرب انتهت، فيما بقيت الآلية. دخل كثير من قادة الحرب إلى مؤسسات ما بعد الطائف، لكن شبكات الزبائنية لم تدخل معهم إلى التقاعد. انتقل الوسيط من الحاجز إلى المكتب، وصارت العلاقة الشخصية تعيش داخل الدولة بدل أن تحل مكانها.

هنا تتحول الواسطة من عادة اجتماعية إلى اقتصاد سياسي. حين يحتاج المواطن إلى زعيم، نائب أو حزب كي يحصل على خدمة يفترض أنها حق له، يتغير معنى الحق نفسه. يصبح الحق خدمة، والخدمة منّة، والمنّة تُنتج ولاءً. ومن هنا تصبح الدولة الضعيفة مفيدة سياسيًا لمن يملك مفاتيحها. فكلما احتاج المواطن إلى الزعيم ليصل إلى الإدارة، زادت قيمة الزعيم، وكلما أصبحت المؤسسة مستقلة وفعالة، تقلصت الحاجة إليه. لذلك لا يمكن فصل الواسطة عن الطائفية، فالأحزاب الطائفية لا تستمد قوتها من الهوية وحدها، بل أيضًا من قدرتها على تأمين مستشفى أو وظيفة أو مساعدة أو تدخل إداري حين تعجز الدولة عن ذلك.

ويرى بقرادوني أن "الأحزاب الطائفية لن تملك دافعًا حقيقيًا لتغيير هذا النظام ما دامت تستفيد منه، إلا إذا تحولت إلى أحزاب عابرة للطوائف، كما طرح اللامركزية الموسعة كوسيلة لتقريب السلطة والرقابة من الناس. غير أن اللامركزية من دون رقابة قد تنقل الزبائنية من المركز إلى المناطق فقط، فنكون قد غيّرنا عنوان الواسطة لا جوهرها".

أما نفسيًا، فتشرح المعالجة النفسية كلوديا نعمة لـ"نداء الوطن" أن "الممارسة الاستثنائية، حين تتكرر في بيئة مزمنة من عدم الأمان، تتحول إلى قاعدة اجتماعية غير مكتوبة. عندها لا يعود من يرفض الواسطة "نزيهًا" بالضرورة، بل يُنظر إليه كساذج. ومن هنا يصبح المواطن الذي يصر على اتباع الأصول شبيهًا بدون كيشوت، ليس لأنه يطارد وهمًا، بل لأن الدولة التي يقرأ عنها في القانون تبدو أحيانًا أبعد من شبكة العلاقات التي تحكم الواقع".

وهذا التناقض يبدأ من المدرسة. الصحافية ومعلمة التاريخ والتربية المدنية رانيا رعد قالت لـ"نداء الوطن" إن "التلميذ يتعلم في الصف النزاهة والكفاءة والمساواة أمام القانون، ثم يخرج ليجد أن المعاملة تحتاج إلى اتصال، والوظيفة إلى علاقة، والخدمة إلى واسطة. هنا لا يعود كافيًا أن نلقنه أن الفساد "خطأ"، بل يجب أن نشرح له لماذا نشأ وكيف يعيد إنتاج نفسه. والأجدر هو دفع التلميذ إلى مسائلة الواقع ودفعه نحو إيجاد الحلول لبناء مستقبل افضل من اليوم".

وقد اختصر الرحابنة هذه المعضلة في مسرحية "يعيش يعيش"، حين يتمسك القانون بكونه قانونًا، فيما يرد الناس بأن أولادهم لا يستطيعون انتظار قيام دولة فعلية كي يعيشوا، فيصمد القانون قانونيًا، إنما اجتماعيًا وسياسيًا، انه الانهيار غير المعلن.

لهذا لا يمكن اختصار الواسطة بأنها فساد أو آلية بقاء، فالقضية معقدة من قبيل التوصيف. قد تكون هذه أو تلك بحسب الحالة. لكن الخطر يبدأ حين تتحول من وسيلة لاسترجاع الحق إلى وسيلة للحصول على امتياز، وحين يصبح من يعرف شخصًا أقوى من القانون مواطنًا بقدرة إضافية. السؤال الحقيقي إذًا ليس: هل الواسطة قانونية؟ بل لماذا لا يكفي أن تكون مواطنًا؟ والحل لا يبدأ بإلقاء محاضرات أخلاقية على الناس، بل ببناء دولة - في الفكر و التربية فبل البناء الفعلي - يصبح فيها الوصول إلى الحق أسهل من الوصول إلى الوسيط، ويصبح فيها القانون أصعب على الإلغاء من مكالمة هاتفية، وأن لا يكون المواطن فيها أصلا بحاجة إلى وصيط.