المحامي محمد آصف ناصر

لعبة الأمم

5 دقائق للقراءة

اليوم انقضى عامي الأول على النشر في "نداء الوطن"، فأغتنم هذه المناسبة لأشكر فريق التحرير وإدارة الصحيفة لا سيما الأستاذ أمجد إسكندر والأستاذة ألين بستاني، على المساحة التي أتاحوها للتعبير عن حرية التفكير خارج القوالب الجاهزة، كما أشكر كل من يتابعني من قراء.

خلال هذا العام صحَّت معظم قراءاتي للواقع السياسي المحلي والإقليمي والدولي، وذلك ليست نتيجة تنجيم أو ضرب بالرمل، وإنما نتيجة لتطبيق الاحكام على الوقائع بعد عزل الزيف والتصنع، والنظر مباشرة إلى المحركين الرئيسيين لعجلة السياسة العالمية: الاقتصاد والجغرافيا، فأستطلع المستقبل بناء على حركية التاريخ وتطور التكنولوجيا والشروط الحاكمة لصعود الامبراطوريات وسقوطها وكل ذلك يكون بعيدا عن الإيديولجيا العاطفية التي تضلل الوعي وتجعل العقل يحلل بما يتمنى ويشتهي فيسعى في تحليله الواقع إلى لي عنق الحقيقة وتطويعها خدمة لأمنياته ورغباته.

في كتابه لعبة الأمم شرح ضابط المخابرات مايلز كوبلاند آلية تفكير الإمبراطورية الأميركية الصاعدة في خمسينيات القرن الماضي، وكيف كانوا يستقرؤون ردّة فعل القادة الإقليميين، وفي مواجهة صعود نجم عبد الناصر بين كوبلاند كيف تم تحليل ردّة الفعل بشكل مسبق، وكيف قرأوا خطوة تأميم قناة السويس ومعرفة تجاوب بريطانيا وفرنسا مع هذه الخطوة، في كتابه أوضح كوبلاند آلية عمل العقل الاستخباراتي والسياسي الأميركي وكل ذلك قبل ثورة التكنولوجية والانترنت وقبل الذكاء الاصطناعي وقبل سلاح النبضة الكهرومغناطيسية.

في تلك الحقبة درس الاميركيون بشكل دقيق كل خطوة في شرق أوسط محكوم بالفخر والأيديولوجية، وكما توقعوا تأميم قناة السويس في الخمسينيات توقعوا اغلاق مضيق هرمز في العام 2026، ولم يكن ذلك نتيجة خطوات اعتباطية أو غير مدروسة، وفهموا مسبقًا كيفية تعاطي أنظمة الإسلام السياسي وغيرها من أنظمة المنطقة، وكيفية تحول المزاج العام، بل وساهموا في إعادة تشكيل السلم القيمي في المنطقة.

إن سهولة التعاطي مع الأميركي وانتفاء الحاجز اللغوي وتأقلمنا مع الفكرة الأميركية يأتي بانسيابية مطلقة يسهل معها فهم العقل الأميركي أكثر بكثير من فهم العقل الصيني وحتى الإيراني والروسي، فالتنشئة الأساس لِبُنانا الفكرية والقيمية بدأت مع تشربنا للرسوم المتحركة التي انتهجت قيم العولمة الأميركية من Tom & Jerry إلى Ban Ban Go الذي استشهد به السيد حسن نصر الله عندما أراد الاستهزاء بجون بولتون، في دلالة على أن هذه الثقافة تمتد في هويتنا ومفاهيمنا الخام فلا نحتاج لمن يشرح أو يترجم لنا هذه الأفكار.

لعبة الأمم مسألة قيمية تتناول الفهم العام للفكرة Common Sense الذي يحدد السلم القيمي وقواعد الصح والخطأ، فلا يتم قراءة المعطى قراءة جامدة بل في تفاصيل الحياة ويوميات المعاش، فالولايات المتحدة الأميركية لم تغزُ الاتحاد السوفياتي بالطائرات والدبابات بل بدعايات الببسي كولا والماك دونالدز فكان تفكك الاتحاد السوفياتي تفككا قيميا داخليا ولم يكن نتيجة ضربة عسكرية خارجية، وكذا كان سقوط نظام البعث في سوريا، أما في العراق فكانت شروط إسقاط النظام تفرضها الأهداف الاقتصادية والبنى المجتمعية واستحالة التفكك الداخلي فبالرغم من الخضات الداخلية التي أسسها التمرد الكردي شمالا وانتفاضة الإسلام السياسي جنوبا كان من المستحيل سقوط النظام الحديدي رغم الهزائم الخارجية إلا بعملية غزو مباشر رغم سنوات الحصار الطويل.

أما في إيران، فعملية التفكك أسهل من الواقع العراقي، ومرجوع ذلك إلى أن الدولة فقدت مشروعيتها الأساس في تجاوز المادة 109 من الدستور، والتنافر الحاد ما بين البراغماتية الحياتية والبنى الأيديولوجية في دولة تتشكل من أكثر من سبع قوميات فرض وحدتها نظام عسكري حديدي بدأ مع السافاك واستمر مع الباسيج، إن استمرار الضغط الأميركي لن ينتهي إلا بحل من اثنين: استسلام واضح وصريح يمهد لتفكك داخلي إيراني أو هزيمة قاصمة تفضي إلى تفكك داخلي، هذا التفكك سيؤدي في النتيجة إلى بدئ تنفيذ مشروع الفوضى الخلاقة التي تمهد إلى شرق أوسط جديد تحدثت عنه كوندوليزا رايس ونشر خريطته رالف بيترز.

مهما حاول الإسلام السياسي تجنب المحتوم، فانه يقع في حتمية السقوط، خاصة وأن وهم الأكثرية يتفكك في منطقة الشرق الأوسط، فهذه المنطقة لا يوجد فيها أكثرية طائفية أو إثنية حقيقية، ولا يوجد فيها هوية دينية واحدة ولا هوية ثقافية واحدة، وإنما فسيفساء تجتمع في إطار ترتبه السلطة الحاكمة في المنطقة، هكذا كان وهكذا سيكون، وهذه المنطقة تقع في نصف الكرة الأرضية التي ستكون تحت إدارة المعسكر الغربي وAbya Yala (أي الحصن الأميركي) أما النصف الآخر حيث تقترن الثقافات فستكون في معسكر Paxa Sinica (أي المملكة الوسطى الصينية) والتي عبرت عنها قمة شنغهاي التي عقدت مؤخرا في بيشكيك حيث ستتأسس على ركام ما سيتبقى من دول كان لها دور فاعل في عالم العولمة، وهناك تقترن القيم المشتركة والمفاهيم التي ما تزال غريبة عنا في الشرق الأوسط وستبقى.

لعبة الأمم تحكمها المصالح الاقتصادية للقوى الاقتصادية العظمى، فحتى المعسكرات المتنافرة تعمل لتأدية دورها في خدمة هذه المصالح.

أمام هذا المشهد، وفي هذا السياق الجيوسياسي، لا نملك إلا أن نحفظ ما تبقى من إنسانيتنا وهويتنا وننشد مع سعاد ماسي: "الدار اللي بناها جدي بالآخر ما لقيت غير هي".