الدكتور سايد حرقص

«خلّي عينك على العراق»...

7 دقائق للقراءة

تُروى عن الرئيس كميل شمعون، في خضم الحرب اللبنانية عام 1976، عبارة تختصر الكثير من تاريخ المشرق: «خلّي عينك على العراق». كان الرئيس شمعون يرى أن ما يجري في العراق لا يمكن فصله عن مستقبل لبنان، وأن استقرار العراق أو انهياره ستكون له ارتدادات مباشرة على لبنان.

بعد نصف قرن تقريباً، تعود العبارة إلى الواجهة، ولكن بمفارقة تاريخية لافتة.

فالعراق، الذي يُنظر إليه باعتباره نموذجًا ينبغي للمسؤولين في لبنان مراقبة مسار التغيير فيه، وفق «الوصية الشمعونية»، نظرًا إلى تشابه الصراعات وتداخل مصالح اللاعبين، بدأت سلطته الحاكمة تخوض معركة واضحة وعملية لاستعادة سلطة الدولة على السلاح المتفلّت من مؤسساتها. أما في لبنان، فلا تزال السلطة عاجزة وفي بعض الاحيان غير راغبة في حسم ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة، مكتفية بقرارات إنشائية وبيانات خطابية، من دون ترجمة عملية أمنية فعلية تعيد للدولة احتكار قرار الحرب والسلم ووسائل القوة.

في تقرير حديث، قارنت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) بين العراق ولبنان في مقاربة ملف الجماعات المسلحة، معتبرةً أن بغداد بدأت تتصرف بصورة أقرب إلى «دولة ذات سيادة»، من خلال السعي إلى إخضاع سلاح الفصائل المسلحة لسلطة الدولة، في حين لا يزال لبنان عاجزًا عن الانتقال من إعلان حصرية السلاح بيد الدولة إلى ترجمة هذا الإعلان على أرض الواقع.

لا يعني ذلك أن العراق قد نجح في حسم الملف نهائيًا؛ ففصائل مسلّحة مرتبطة بإيران لا تزال ترفض التخلي عن سلاحها. لكن الفارق الأساسي يكمن في اتجاه المسار الذي تسلكه السلطة العراقية، والذي يبدو واضحًا في سعيها العملي إلى استعادة هيبة الدولة وسيادتها، وفرض احتكارها للسلاح بوصفه حقًا أصيلًا لأي دولة طبيعية. والأهم أن بغداد تبدو مستعدة لخوض هذه المعركة بجدية، بما في ذلك اللجوء إلى القوة عند الضرورة لفرض سلطة الدولة على المجموعات المسلحة الخارجة عن مؤسساتها.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: لماذا قررت السلطة العراقية فتح مواجهة جدّية مع هذه المشكلة، بينما لا تزال السلطة اللبنانية عاجزة ومترددة في حسم قرارها، والانتقال من منطق البيانات والتعهدات إلى منطق الفعل والتنفيذ؟

الإجابة معقّدة، لأنها ترتبط بتاريخ طويل بدأ مع تطبيق اتفاق الطائف، مرورًا بالانسحاب الإسرائيلي عام 2000، وحرب تموز 2006، وصولًا إلى الحروب المتتالية التي بدأت بـ«إسناد غزة» وانتهت إلى «إسناد طهران». لكن تفسير عجز الدولة اللبنانية لا يمكن اختزاله اليوم في قوة حزب الله، أو نفوذ إيران، أو الحرب الدائرة في الجنوب، أو التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة. فبقاء السلاح خارج الدولة طوال عقود لم يكن، عند تطبيق اتفاق الطائف، نتيجة قوة الحزب وحدها، ولا كان بعد عام 2000 مجرد انعكاس لاستمرار الاحتلال؛ بل كان ثمرة منظومة مصالح لبنانية وإقليمية متشابكة تلاقت على حماية هذا السلاح وإبقاء الدولة عاجزة عن احتكاره. وفي قلب هذه المنظومة قامت العلاقة السورية ـ الإيرانية، التي تقاطعت، على مدى سنوات، مع مصالح سلطوية وشخصية لفئات لبنانية، فشكّلت شبكة سياسية وأمنية حالت دون معالجة جوهرية لمسألة السلاح، وأبقت قرار الحرب والسلم خارج الدولة.

فالنظام السوري لم يكن مجرد متفرج على صعود حزب الله. فقد لعب، منذ الثمانينيات، دوراً أساسياً في توفير الغطاء السياسي والأمني للحزب، والسماح بمرور السلاح والتمويل والتدريب الإيراني إلى لبنان. وتكشف مذكرات نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام أن دمشق ساعدت بشكل مباشر في تأسيس وتثبيت حزب الله ومنع تفكيك بنيته العسكرية بعد الحرب.

وفي المقابل، كانت إيران تقدم لسوريا دعماً اقتصادياً واستراتيجياً، من ضمنه النفط، في إطار تحالف سياسي وأمني واسع. وتكشف مذكرات خدام أن إيران زودت سوريا بكميات سنوية مجانية من النفط مقابل احتضان حزب الله وتأمين السلاح لايران من تشكوسلوفاكيا.

لذلك يمكن اختصار المعادلة التي حكمت تلك المرحلة بالقول إن النفط الإيراني كان جزءاً من شبكة المصالح التي ربطت النظام السوري بإيران، بينما كان الحفاظ على حزب الله وسلاحه أحد أهم النتائج الاستراتيجية لهذا التحالف في لبنان.

لم تكن المسؤولية خارجية فقط.ففي مراحل مختلفة، استفادت قوى لبنانية من هذه المعادلة، وتعاملت معها كأمر واقع يخدم مصالحها السياسية أو الفئوية أو الانتخابية. بعض القوى تجنب مواجهة حزب الله، وبعضها استخدم قوته في مواجهة خصومه، وبعضها قبل بالمعادلة مقابل الحفاظ على موقعه داخل النظام.

وهكذا تحوّل السلاح، تدريجيًا، من حالة استثنائية قيل إنها مرتبطة حصراً بمقاومة إسرائيل، إلى جزء من بنية سياسية وأمنية متكاملة تجاوزت وظيفته العسكرية المباشرة، وأصبحت تمتلك القدرة على التأثير في القرار الوطني وتعطيل مؤسسات الدولة وشلّ الحياة السياسية عند الحاجة، وربط لبنان عمليًا بالمشروع الإقليمي الإيراني. وبذلك لم يعد السؤال متعلقًا بسلاح يُستخدم في مواجهة إسرائيل فحسب، بل بمنظومة قوة ونفوذ تسعى إلى إبقاء لبنان داخل مدار المحور الإيراني، المرتبط برؤية أوسع تهدف الى الدولة الخمينية الكبرى التي يحكمها الولي الفقيه.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية.

فبعد اتفاق الطائف، كان الأصل أن تُحلّ الميليشيات وأن تُسلَّم أسلحتها إلى الدولة، وهو ما أقدمت عليه معظم القوى المسلحة اللبنانية. وحده حزب الله احتفظ بسلاحه تحت عنوان «المقاومة»، في استثناء لم يكن ليترسخ لولا غطاء سياسي وأمني إقليمي ومحلي. وقد وفّر قائد الجيش آنذاك، إميل لحود، والرئيس السوري حافظ الأسد، غطاءً أساسيًا لاستمرار هذا الاستثناء، فيما اختارت قوى أخرى في السلطة الصمت أو غضّ الطرف، وفق ما تعكسه مقابلات حديثة للرئيس لحود.

ومع مرور السنوات، لم يعد الاستثناء مرحلة انتقالية مرتبطة بظرف محدد، بل تحوّل إلى قاعدة دائمة. ومع توقيع إتفاق "قاعة مار مخايل" توسّع دور الحزب من قوة عسكرية تحت عنوان المقاومة إلى منظومة سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية متكاملة، راكمت من النفوذ والقدرة على فرض إرادتها، إلى حد باتت معه الدولة عاجزة عن إخضاع سلاحه لسلطتها أو استعادة احتكارها لقرار الحرب والسلم.

أما العراق، فعلى الرغم من تعقيداته، فقد بدأ اليوم يواجه السؤال نفسه: هل يمكن أن تكون هناك دولة حقيقية مع وجود قوى مسلحة تملك قرارها الخاص؟

واللافت أن بعض الفصائل العراقية المدعومة من إيران بدأت تناقش، وضع سلاحها تحت سلطة الدولة. وهذا يعني أن فكرة احتكار الدولة للسلاح أصبحت هي عنوان النقاش السياسي.

وهنا تكمن المفارقة اللبنانية.

فلبنان، الذي يملك دستوراً وجيشاً ومؤسسات دولة، لا يزال يواجه مشكلة كان يفترض أن تكون قد حُسمت منذ انتهاء الحرب .

لقد أعلنت الحكومة اللبنانية بوضوح منذ سنة تقريبا أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة، وأن السلاح يجب أن يكون حصراً في عهدتها. لكن الإعلان عن المبدأ شيء، وتنفيذه شيء آخر.

وهنا يجب التمييز بين سيادة الدولة على الورق وسيادتها على الأرض..

لذلك، لم تعد عبارة الرئيس كميل شمعون «خلّي عينك على العراق» مجرد توصية أو تحذير سياسي من زمن مضى، بل أصبحت تحمل اليوم دلالة سياسية مستقبلية. فعلى السلطة اللبنانية أن تراقب بعين مفتوحة مسار التحولات في العراق، وأن تتأمل كيف تحاول دولة أنهكتها الحروب والاحتلال والانقسامات الطائفية وتغلغل الميليشيات أن تستعيد تدريجيًا سيادتها وقرارها الوطني واحتكارها للسلاح. فالعبرة في أن سلطة العراق بدأت تتعامل مع المشكلة باعتبارها قضية دولة وسيادة، لا ملفًا يُدار بالتسويات والتأجيل. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم للبنان: أن استعادة الدولة لا تبدأ بإعلان حصرية السلاح، بل بامتلاك الإرادة والرغبة السياسية لتحويل هذا الإعلان إلى واقع، مهما كانت كلفة المواجهة.

ربما يكون السؤال الأكثر دلالة اليوم:

هل أصبح العراق هو المرآة التي ينبغي للبنان أن ينظر إليها ليرى المستقبل القادم ؟

بالأمس كان شمعون يقول: «انظروا إلى العراق». واليوم ربما يقول العراق للبنان: «انظروا إلينا... وحاولوا أن تتعلموا كيف تستعيد الدولة قرارها».....لكن على الدولتين أن تُبقيا أعينهما مفتوحة على إيران وأذرعها، وأن تراقبا تحركاتها بدقة، حتى لا تنزلق الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه.