بيان لم يصدر عن رئيس الجمهورية، ولا عن رئيس مجلس الوزراء، ولا عن مجلس الوزراء، ولا عن رئاستَي الجمهورية والحكومة مجتمعتين. وقد لا يصدر أبداً. إنه مجرّد محاولة متواضعة لتبيان ما قد يطمح إليه أغلب المواطنين، وما قد تغفل عنه السياسات الآنية.
أيّـهـا الـلـبـنـانـيــون،
نخاطبكم اليوم لا لنصف أزمة جديدة، ولا لنعلن تسوية مؤقتة لأزمة قديمة، ولا لنضيف وعداً آخر إلى الوعود التي راكمتها الجمهورية ولم تنفّذها. نخاطبكم لأن الوقت حان لكي تتصرّف الدولة اللبنانية كدولة، ولكي تتوقف عن التعامل مع أبسط مقومات وجودها وكأنها أهداف غير منطقية، أو تنازلات تحتاج في كل مرة إلى موافقة القوى التي استفادت من غيابها.
لقد دفع اللبنانيون، طوال عقود، أثماناً باهظة لقاء تأجيل البديهيات: سيادة منقوصة باسم الواقعية، وسلاح خارج الدولة باسم المقاومة، وتعطيل باسم الشراكة، ومحاصصة باسم التوازن، وفساد باسم الاستقرار، وتهديد باسم السلم الأهلي. ومع الوقت لم تعد الاستثناءات استثناءات، بل أصبحت نظاماً قائماً بذاته؛ نظاماً يتعايش فيه الدستور مع نقيضه، والقانون مع من يخالفه، والدولة مع من ينازعها وظائفها الأساسية.
هذه المرحلة انتهت.
فالجمهورية اللبنانية ليست اتفاقاً مؤقتاً بين جماعات، ولا هدنة دائمة بين طوائف، ولا ساحة لمشاريع الآخرين. هي دولة دستورية واحدة لجميع مواطنيها، لها أرض واحدة وسيادة واحدة وقانون واحد ومؤسسات واحدة، وقوات مسلحة وأمنية شرعية واحدة. ومن هذا المنطلق، وبالاستناد إلى الدستور ووثيقة الوفاق الوطني والقوانين المرعية والقرارات الدولية والتزامات الدولة اللبنانية، نضع أمام اللبنانيين برنامجاً واضحاً لاستعادة الجمهورية، لا كشعار سياسي بل كمشروع حكم وتنفيذ.
أمـنـيــاً
إن وجود أي تنظيم مسلح خارج مؤسسات الدولة، أياً كان اسمه أو تاريخه أو طائفته أو شعاراته أو الجهة التي تموّله، يتعارض مع مبدأ الدولة نفسها ومع أحكام الدستور ومقتضيات وثيقة الوفاق الوطني. وقد نص اتفاق الطائف بوضوح على حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، وعلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية. كما أكدت القرارات الدولية ذات الصلة المبدأ نفسه: لا سلطة عسكرية، ولا قرار أمني، ولا سلاح شرعي خارج الدولة اللبنانية.
وعليه، فإن زمن التنظيمات العسكرية الموازية للدولة انتهى. وهذا القرار ليس موجهاً ضد طائفة ولا منطقة ولا بيئة اجتماعية، ولا ضد مواطن بسبب رأيه أو انتمائه السياسي. وهو لا يلغي حق أي حزب في العمل السياسي السلمي تحت سقف القانون، لكنه ينهي بصورة قاطعة حق أي حزب أو تنظيم أو جماعة في امتلاك جيش أو ترسانة أو جهاز أمني مستقل أو شبكة اتصالات عسكرية أو منشآت قتالية أو مناطق نفوذ مغلقة أو قرار مستقل في الحرب والسلم، أو حرية العمل خارج القانون أو لصالح دولة أجنبية.
ستبدأ الدولة، وفق خطة مرحلية واضحة، نشر الجيش والقوى الأمنية الشرعية وتعزيز حضورها على كامل الأراضي اللبنانية، وعلى جميع الحدود والمعابر البرية والبحرية والجوية. وستطلب الحكومة، حيث تدعو الحاجة، مساعدة الولايات المتحدة والقيادة المركزية الأميركية والدول الصديقة وسائر الشركاء القادرين على تأمين التدريب والتجهيز والتكنولوجيا والمعلومات والدعم اللوجستي المطلوب، على أن تبقى القيادة والسيادة والسلطة والقرار لبنانية حصراً.
لن تدخل الدولة في سجال يومي حول حقها في أن تكون دولة، ولن تفاوض على مبدأ سيادتها. من يعترض على قرارات الحكومة سياسياً وإعلامياً فله كامل حق الاعتراض ضمن القانون. أما من يهدد بالسلاح، أو يعرّض السلم الأهلي للخطر، أو يحرّض على العنف، أو يمنع القوى الشرعية من تنفيذ مهماتها، أو يحاول تحويل تطبيق القانون إلى قضية مذهبية أو أهلية، فسوف تتعامل معه المؤسسات المختصة على أساس الفعل الذي ارتكبه، لا على أساس القضية التي يدّعي تمثيلها.
سنشرح موقفنا للمشككين، ونجيب عن أسئلة المستفهمين، ونطمئن الخائفين، لأن الدولة الواثقة لا تخشى الشرح. لكن الشرح شيء، والاستئذان شيء آخر. الدولة لا تستأذن أحداً لكي تطبق دستورها، ولا تطلب موافقة حزب لكي تحمي حدودها، ولا تحتاج إلى إجماع سياسي لكي تنهي سلاحاً غير شرعي.
فلا قضية تعلو على الجمهورية، ولا همّ يتقدّم على المواطن، ولا هدف أسمى من سلام دائم يحميهما معاً.
وطـنـيــاً
إلى اللبنانيين جميعاً، من كل الطوائف والمذاهب والمناطق: ضمانتكم ليست سلاحاً، ولا زعيماً، ولا سفارة، ولا دولة أجنبية. وكما ثبت ويثبت دائماً، ضمانتكم هي الجمهورية، وضمانة الجمهورية هي الدستور والقانون والمؤسسات والمساواة بين المواطنين.
نتمسك بالشراكة الوطنية التي قامت عليها الجمهورية، وبوثيقة الوفاق الوطني والإصلاحات الدستورية المنبثقة عنها، على أن تقابلها جميع المكونات اللبنانية باعتراف صريح ونهائي بأولوية الجمهورية اللبنانية والدستور اللبناني والقوانين المدنية وسلطة الدولة على أي التزام حزبي أو مذهبي أو إقليمي. فلا يمكن بناء دولة يكون فيها ولاء المواطن للقانون اختيارياً، أو يكون فيها الدستور مرجعاً عند البعض وكتاب تفسير أحلام عند البعض الآخر.
نحترم الأديان والطوائف وحقها في إدارة شؤونها الدينية ضمن القانون، ونحترم بالقدر نفسه حق المواطن في ألا ينتمي إلى طائفة، أو ألا يكون متديناً، أو ألا يخضع في حقوقه المدنية والسياسية لسلطة غير سلطة الدولة. ولهذا ندعو المرجعيات والمجالس الدينية نفسها إلى المشاركة في تحرير الدين من السياسة والسياسة من الدين، ومنع تحويل المؤسسات الدينية إلى أدوات حزبية أو انتخابية أو أمنية.
لن نقبل بعد اليوم اختزال طائفة بحزب، أو حزب بطائفة. لا حزب يحتكر الشيعة، ولا حزب يحتكر السنّة، ولا حزب يحتكر المسيحيين أو الدروز أو أي جماعة لبنانية أخرى. المواطن فرد كامل الحقوق قبل أن يكون عضواً في جماعة، والطائفة مكوّن وطني مصان الحقوق، وليست ملكية سياسية مسجلة باسم تنظيم أو عائلة أو زعيم. وكما نحمي الجماعة من تسلط جماعة أخرى، يجب أن نحمي الفرد من جماعته أيضاً، لأن حرية المجتمع لا تكتمل إذا كان الفرد حراً من الدولة وأسيراً لطائفته، أو العكس.
كما لن تكون هناك شرعية لأي علاقة خفية أو غير قانونية بين حزب أو تنظيم أو مؤسسة طائفية وبين دولة أو جهاز أجنبي. للبنان علاقات دولية تقيمها الدولة باسم اللبنانيين، وللأحزاب علاقات سياسية علنية يجيزها القانون؛ أما التمويل السري والتكليف الخارجي والأجهزة الموازية والارتباط التنظيمي بدولة أخرى، فليست تعددية سياسية، بل انتقاص من السيادة وارتباط غير مشروع بالخارج.
سيطبّق القانون على الجمعيات والتنظيمات التي تخالف الدستور، أكانت الذريعة دينية أم عقائدية، أو تمارس نشاطاً عسكرياً أو أمنياً، أو تتلقى تكليفاً أو تمويلاً خارجياً غير مشروع، أو تعمل لمصلحة جهة أجنبية خلافاً للقانون، على أن يكون القضاء المستقل وحده المرجع في إثبات المخالفة وإيقاع العقوبة. فلا مكان لتنظيم يتخذ من الدين مدخلاً إلى السلطة السياسية، ولا لسياسة لا تفصل بين الدين والدولة، ولا قضية أكبر من قضية الجمهورية، ولا شريعة تعلو على الدستور.
أما التوازن الوطني، فلا نريد إلغاءه ولا تجميده إلى الأبد كما هو. المطلوب الانتقال تدريجياً من محاصصة مذهبية تتسلل إلى كل إدارة ووظيفة وقرار، إلى ضمانات دستورية وسياسية واضحة للمكونات، مقرونة بضمانات مماثلة للفرد، وبنظام لامركزي أو اتحادي يوزع السلطة بصورة عقلانية بين المركز والمناطق. والغاية ليست إلغاء الطوائف، بل إخراجها من الإدارة اليومية للدولة، بحيث تبقى الحقوق الفردية والجماعية مصونة من دون أن تصبح الهوية الطائفية بطاقة الدخول الإلزامية إلى كل وظيفة ومؤسسة وحق.
في هذا السياق، سنعيد تعريف المناصفة والتمثيل المذهبي بحيث ينتقل الجزء الأكبر من ضماناتهما من التوظيف والإدارة اليومية إلى المؤسسات الدستورية والتمثيل السياسي والجغرافي، بالتوازي مع فصل الدين عن الدولة مركزياً ومحلياً، وضمان حقوق العلمانيين وغير المتدينين بالقدر نفسه الذي تضمن فيه حقوق المؤمنين والطوائف.
سـيـاسـيــاً
سنطلق ورشة دستورية وتشريعية لاستكمال ما بقي معلقاً منذ اتفاق الطائف وتطوير ما أثبتت التجربة حاجته إلى التطوير، وفي مقدم ذلك إقامة نظام المجلسين: مجلس شيوخ تتمثل فيه المكونات اللبنانية ويكون المرجع الأعلى في القضايا الدستورية والمصيرية التي تمس طبيعة الجمهورية وتوازناتها الأساسية، ومجلس نواب يقوم تدريجياً على التمثيل السياسي الوطني والمواطنة.
لا نريد مجلس شيوخ پروتوكولياً يضاف إلى مؤسسات الدولة لمجرد استكمال نص دستوري لم يطبق. نريد مجلساً يؤدي وظيفة حقيقية، بحيث تكون له، إلى جانب رئيس الجمهورية وفي موازاته، الأولوية الدستورية والكلمة المرجّحة في القضايا المصيرية: تعديل الدستور، وهوية الدولة ونظامها، والحرب والسلم، والمعاهدات ذات الأثر السيادي، وقانون الجنسية، والأحوال الشخصية، والقوانين الانتخابية الأساسية، والتقسيم الإداري أو الجغرافي، والضمانات المتعلقة بالمكونات اللبنانية والحريات الأساسية المتصلة بها.
ففي هذه المسائل لا يجوز لأكثرية سياسية عابرة أن تغيّر قواعد العيش المشترك أو هوية النظام من دون موافقة المجلس الذي أنشئ أصلاً لحماية تلك القواعد. وفي القضايا التي تدخل حكماً ضمن صلاحيات مجلس الشيوخ، تكون موافقته شرطاً نهائياً لنفاذ القرار، لا مجرد رأي استشاري يمكن تجاوزه.
أما مجلس النواب فيبقى المجلس السياسي والتشريعي الأول في الحكم اليومي، إلى جانب مجلس الوزراء وفي موازاته: يمنح الثقة للحكومة ويحجبها، ويشرّع في القضايا العامة، ويقر الموازنات والضرائب والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، ويراقب السلطة التنفيذية. وبهذا يصبح لدينا توزيع واضح للوظائف: مجلس شيوخ يحمي الجمهورية من طغيان أي أكثرية على عقدها الدستوري، ومجلس نواب يحكم بالأكثرية السياسية لا الطائفية.
بالتوازي مع ذلك، سنعيد تحديد العلاقة بين السلطة المركزية والإدارات والمجتمعات المحلية في إطار نظام لامركزي أو اتحادي واضح الصلاحيات والموارد والمسؤوليات. فلبنان يحتاج إلى مركز قوي في ما يجب أن يكون مركزياً: السيادة والدفاع والسياسة الخارجية والنقد والحقوق العامة والمعايير الوطنية؛ ويحتاج في الوقت نفسه إلى مناطق قوية في كل ما يمكن إدارته بصورة أفضل وأقرب إلى المواطن.
فاللامركزية أو الاتحادية ليست تقسيماً ولا تعارضاً، كما أن المركزية ليست مرادفاً للوحدة. وحدة الدولة تقاس بوحدة السيادة والدستور والحقوق والحدود، لا بعدد التواقيع المطلوبة في بيروت لإصلاح طريق في عكار أو مدرسة في الشوف أو مستشفى في الجنوب.
وسنصوغ هذه العلاقة بما يستوعب تطلعات اللامركزيين والاتحاديين معاً، بحيث يكون للمناطق الحق في إدارة مجتمعاتها وخدماتها وتنميتها وجزء واسع من مواردها وشؤونها المحلية ضمن الحق العام للدولة، لا بمعزل عنه ولا في مواجهته.
سنطلق، في هذا الإطار، مراجعة شاملة للتقسيمات الإدارية والبلدية ولصلاحيات المحافظات والأقضية والبلديات واتحاداتها، وبحثاً موضوعياً في الشكل الأنسب للنظام اللامركزي أو الاتحادي اللبناني، بالتوازي مع مراجعة قانون الانتخاب وقانون الجنسية والقوانين الناظمة للأحزاب والتمويل السياسي، بحيث تصبح الخريطة الإدارية والانتخابية انعكاساً لمجتمعات حقيقية وحاجات فعلية، لا بقايا تسويات تاريخية متراكمة ومصالح سياسية آنية.
ومع إعادة بناء النظام السياسي، علينا أن نعرف البلد الذي نبنيه. ولذلك ستجري أوسع عملية ممكنة للإحصاء وقياس الرأي العام اللبناني في الداخل والاغتراب، وفق معايير علمية مستقلة وشفافة، تمهيداً لانتخابات مركزية ومحلية حديثة وقابلة للتدقيق، مصممة للتعامل مع اللبنانيين كمواطنين قادرين على الاختيار والمحاسبة، لا كقطعان انتخابية تُستدعى كل أربع سنوات لإعادة إنتاج الطبقة نفسها.
خـارجـيــاً
جمهوريتنا، على عراقة تاريخها وكبر أثرها واتساع حضورها الثقافي والاقتصادي، تبقى دولة صغيرة نسبياً بالمعنى الجيوسياسي والعسكري. ومن مصلحتها أن تنتمي إلى شبكة من التحالفات والشراكات مع دول تشاركها مبادئ الحرية والاقتصاد الحر والنظام الديمقراطي، ولا تتعارض علاقاتها معها مع دستورها ومصالحها، بما يؤمّن أوسع وأعمق حماية ممكنة لأرضنا وشعبنا.
ولا حاجة بنا إلى التذكير بمساهمات لبنان، منذ نشوئه الحديث، في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي بدايات الأمم المتحدة، وفي تحديث اللغة العربية ونشرها، وفي إنشاء جامعة الدول العربية؛ ولا بالأثمان التي دفعها في صراع عربي-إسرائيلي طويل حاول، منذ بداياته، تجنّب أن يتحول إلى ساحته الدائمة.
لن نقيس علاقتنا بسوريا أو تركيا أو إيران أو إسرائيل أو قبرص، ولا بأي دولة قريبة أو بعيدة، بالشعارات الموروثة أو الاصطفافات العقائدية، بل بمدى احترامها للبنان وسيادته ومصالحه، وبمدى تعاونها معه وفق مبدأ المعاملة بالمثل. فلا عداوة أبدية تفرضها العقائد، ولا صداقة دائمة تبرر تجاوز المصالح اللبنانية.
وسنسعى إلى تطوير علاقات استراتيجية، في الدرجة الأولى، مع الولايات المتحدة، وإلى تعميق علاقاتنا مع أوروبا والمملكة المتحدة ودول شرق المتوسط ومجلس التعاون الخليجي ودول الاغتراب وسائر الدول الصديقة والمهمة للبنانيين. وستقوم علاقات لبنان مع دول العالم على قاعدة واضحة: الاحترام المتبادل أولاً، والمصلحة المشتركة ثانياً.
إداريــاً
لن تقوم جمهورية جديدة بإدارة قديمة. ولذلك سنتمسك بلا مساومة بفصل السلطات واستقلال القضاء وكفاءة الإدارة وحيادها السياسي والديني، وبمبدأ بسيط غاب طويلاً عن الممارسة اللبنانية؛ الوظيفة العامة خدمة وليست ملكية حزبية أو مذهبية، والإدارة موجودة لخدمة المواطن لا لإدارته كزبون لدى زعيم أو مكتب سياسي.
سنبدأ عملية شاملة لمكننة الدولة ورقمنة معاملاتها وربط قواعد بياناتها وتحديث أنظمتها المالية والرقابية والمعلوماتية والاستخبارية والأمنية، ضمن إطار قانوني صارم يحمي خصوصية المواطن ويحدد بدقة صلاحيات جمع المعلومات والوصول إليها واستخدامها. فنحن نريد دولة تعرف ما تحتاج إلى معرفته لكي تحمي مواطنيها ومالهم العام، لا دولة تتجسس عليهم؛ والتكنولوجيا يجب أن تنشئ دولة قانون أكثر كفاءة، لا دولة بوليسية أكثر فساداً.
سنطلق بالتوازي مساراً قضائياً ومالياً ورقابياً وأمنياً متكاملاً لملاحقة الفساد واسترداد الأموال والحقوق العامة والخاصة، بدءاً بالملفات الأكبر والأكثر توثيقاً والأشد أثراً على حياة المواطنين. ولن تكون العملية انتقاماً سياسياً ولا حفلة تشهير إعلامية، لكنها لن تخضع في المقابل لمساومات حماية المتورطين. لا حصانة سياسية لفاسد، ولا حماية طائفية لسارق، ولا تسوية حزبية لمرتكب.
ستبدأ عملية واسعة لإعادة هيكلة الإدارات والمؤسسات العامة، وإلغاء المتكرر منها ودمج المتشابه، وإقفال مصادر الهدر، وإعادة توزيع الموارد البشرية وفق الحاجة والكفاءة، بالتوازي مع تعزيز البلديات واتحاداتها مالياً وإدارياً ورقابياً لكي تصبح العمود التنفيذي الأساسي لأي نظام لامركزي أو اتحادي جدّي، لا مجرد مؤسسات فقيرة تنتظر التحويلات من العاصمة.
كما ستطلق الدولة إحصاءً وطنياً شاملاً وحديثاً لمقدراتها وأملاكها وموجوداتها ومواطنيها والمقيمين على أرضها، وللانتشار اللبناني في العالم. فلا يمكن إدارة بلد لا تعرف دولته بدقة ماذا تملك، ومن يسكن أرضها، وأين يوجد مواطنوها، وما احتياجات مناطقها، وما حجم ثروتها البشرية والعقارية والاقتصادية. فالمعرفة ليست تفصيلاً إدارياً؛ إنها الشرط الأول لأي سياسة عامة جدية.
تـنـفـيـذيــاً
كل ما سبق لا قيمة له إذا بقي حبراً على ورق. لذلك ستكون الأولوية للتنفيذ المتدرج والقابل للقياس، لا لإنتاج المزيد من الخطط التي تنتهي في الأدراج.
كل مسؤول أو ضابط يثبت فساده أو تواطؤه أو تعطيله المتعمد للقرارات الشرعية أو مخالفته للقانون سيحال إلى الجهات القضائية والرقابية المختصة، وسيعزل من موقع القرار، وفق الأصول والقانون، كل من يرفض تنفيذ الأوامر الشرعية الداخلة ضمن اختصاصه. فلا تستطيع الدولة أن تطلب من مواطنيها احترام قراراتها فيما موظفوها وضباطها يختارون بأنفسهم أي القرارات ينفذون وأيها يعطلون.
سوف تنفذ الدولة التزاماتها الناشئة عن الاتفاقات والمفاوضات التي تقرها المؤسسات الدستورية بسرعة وثقة، ومن دون تردد أو عقد تاريخية، ومن دون أن تتنازل في المقابل عن شبر من الأرض أو حق من الحقوق اللبنانية. فحصر السلاح ليس اعتداءً، والمفاوضات ليست استسلاماً، والسلام ليس هزيمة. والدولة التي تعرف مصالحها وحقوقها لا تخشى مواجهة إرهاب أو الجلوس إلى طاولة تفاوض، بل تخشى أن يبقى الآخرون يتكلمون باسمها أو يتفاوضون بشأنها وهي غائبة عنها.
سيترافق ذلك مع خطة أمنية وإدارية تبدأ بتثبيت السيطرة الكاملة للدولة على بيروت الإدارية، ثم بيروت الكبرى، وعلى المطار والمرفأ ومداخل العاصمة ومرافقها الحيوية، بالتزامن مع إحكام السيطرة على جميع المعابر والحدود، وبسط سلطة الدولة على كل منطقة تنتهي فيها العمليات العسكرية الجارية. فليس من المنطقي أن تطالب دولة بسيادة كاملة على أرضها فيما عاصمتها نفسها تضم مساحات أو منشآت أو شبكات لا تملك مؤسساتها السيطرة الكاملة عليها.
سيكون ضبط الحدود شاملاً: ترسيماً حيث يلزم الترسيم، ومراقبة تقنية وبشرية دائمة، وضبطاً للتهريب، ومنعاً لانتقال السلاح والمقاتلين والأموال غير المشروعة في الاتجاهين. ثم تعلن الحكومة جدولاً مرحلياً لبسط السلطة الفعلية للدولة على الأقضية كافة، بدءاً بالمناطق الأقل اختراقاً والأكثر جاهزية، بحيث تتوسع منطقة السيطرة الفعلية بصورة متواصلة ومنظمة إلى أن تشمل كل قرية وكل حي وكل كيلومتر من الأراضي اللبنانية.
لن تكون هناك أرض ممنوعة على الدولة، لأن وجود أرض ممنوعة عليها يعني ببساطة أن سيادتها اسمية. وسيكون لبنان في أفضل وضع ممكن لفرض انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي وتأمينه بمساعدة الولايات المتحدة والدول الصديقة، عندما ينتفي أي وجود عسكري غير شرعي على أراضيه.
في ملفّي النزوح واللجوء، ستنشئ الدولة، بالتعاون حيث يلزم مع الدول والجهات الدولية المعنية، مراكز إقامة منظمة في مناطق آمنة وخاضعة بصورة كاملة لسلطتها، بما يتيح ضبط الهوية والحركة والإقامة والخدمات والأمن، ويحفظ في الوقت نفسه الكرامة الإنسانية والالتزامات القانونية. وستنظّم العودة الكريمة للنازحين إلى قراهم، وللاجئين إلى دولهم أو إلى أماكن إقامتهم الشرعية، وستجري مراجعة شاملة لأوضاع الأجانب والمقيمين بصورة غير شرعية، كما ستفتح ملفات التجنيس المشوبة بالغش أو التزوير أو مخالفة القانون.
سيكون المبدأ واضحاً: من يملك حقاً قانونياً تحميه الدولة، ومن لا يملكه تطبق عليه الإجراءات القانونية، ومن حصل على الجنسية بطريق احتيالي أو مخالف للقانون يحال ملفه إلى المرجع المختص لإبطال ما يمكن إبطاله وفق الدستور والقانون. لن تكون هناك عقوبات جماعية ولا استهداف على أساس العرق أو الدين أو الجنسية، لكن الفوضى السكانية والقانونية لن تبقى سياسة دولة لمجرّد أنها أسهل من تطبيق القانون.
أمـا الـحـجــج
نعرف مسبقاً ما سيقال اعتراضاً على كل ذلك. سيقال إن الوقت غير مناسب، وإن الوحدة الوطنية هشة، وإن السلم الأهلي مهدد، وإن الإدارة عاجزة، وإن الجيش يحتاج إلى الوقت، وإن المجتمع الدولي قد لا يساعد بما يكفي، وإن الظروف الإقليمية دقيقة، وإن بعض الملفات يجب أن ينتظر بعضها الآخر. ونعرف أيضاً أن أكثر من يردّد هذه الحجج هم تحديداً من لا يناسبهم قيام الدولة.
وقد سمع اللبنانيون هذه الحجج طوال عقود حتى تحولت الاستثناءات إلى نظام حكم، والتأجيل إلى سياسة عامة، والعجز إلى عقيدة وطنية. وكلما ظهرت فرصة لإعادة بناء الدولة قيل إن الحفاظ على الوحدة يقتضي تأجيلها، وإن حماية السلم الأهلي تقتضي التعايش مع من يهدده، وإن ضعف الإدارة يمنع إصلاحها، وإن محدودية قدرات الجيش تفرض القبول بوجود قوة عسكرية أخرى إلى جانبه. وهكذا أصبح المرض حجة لعدم العلاج.
نحن نقول العكس تماماً. غياب التنظيمات المسلحة الموازية يعزز الوحدة الوطنية لأنه يحرر الطوائف من الخوف بعضها من بعض، وحصرية السلاح بيد الدولة تحمي السلم الأهلي لأنها تجعل الخلاف السياسي خلافاً لا حرباً محتملة. وتطبيق القانون ينشط الإدارة لأنه يعيد إليها معنى القرار والمسؤولية، وإنهاء الجيوش الموازية لا يضعف الجيش، بل يمنحه المكانة والدور اللذين يفترض أن يتمتع بهما أي جيش وطني.
أما القول إن الدولة ليست جاهزة بعد لممارسة سيادتها فيقلب العلاقة بين السبب والنتيجة. الدولة لا تصبح جاهزة لكي تمارس السيادة ثم تمارسها؛ إنها تصبح جاهزة لأنها تبدأ بممارستها. والجيش لا يصبح قوياً ثم يحتكر السلاح؛ إنه يقوى عندما تقرر الجمهورية أنه الجيش الوحيد. والإدارة لا تصبح كفوءة قبل أن نعطيها المسؤولية؛ إنها تصبح كفوءة عندما يصبح الفشل والمخالفة والتعطيل مكلفاً.
أيّـهـا الـلـبـنـانـيــون،
لسنا أمام مشروع لإعادة ترتيب الأزمة اللبنانية، ولا أمام محاولة جديدة لإدارة التوازن بين مؤسسات الدولة ومؤسسات اللادولة. نحن أمام فرصة لإنهاء هذا الازدواج، والانتقال من جمهورية تتفاوض باستمرار على حقها في الوجود إلى جمهورية تعتبر وجودها حقاً لا نقاش فيه.
لن نعدكم بأن الطريق سهل. ستكون هناك مقاومة سياسية ومصالح متضررة وأموال ونفوذ ودعاية ومحاولات لإثارة الخوف الطائفي، لأن قوى كثيرة اعتادت أن تستمد قوتها من ضعف الدولة، وهي لن تحتفل بقيامها. لكن الجمهورية لا تستطيع أن تجعل حقها في الحياة رهينة رضا الذين يستفيدون من غيابها.
نريد لبناناً يستطيع فيه الشيعي أن يكون شيعياً من دون أن يكون تابعاً لحزب، والمسيحي مسيحياً من دون أن يبحث عن حامٍ، والسنّي سنّياً من دون أن يحتاج إلى داعم، والدرزي درزياً من دون أن يخشى عدداً أو جغرافيا، والعلماني علمانياً، والملحد ملحداً، والمواطن مواطناً قبل كل شيء. نريد دولة تحمي الاختلاف من دون أن تتحول إلى اتحاد مخاوف، وتحفظ الجماعات من دون أن تسجن الأفراد داخلها، ولا تطلب من اللبناني أن يتخلى عن هوياته، بل تمنع أياً منها من أن تلغي هويته اللبنانية.
نريد نظاماً لامركزياً أو اتحادياً يسمح لهذه المجتمعات بأن تدير الجزء الأكبر من شؤونها المحلية، فيطمئن بعضها إلى بعض بدلاً من أن يتصارع الجميع على السيطرة على الدولة المركزية. فكلما اتسعت قدرة المنطقة على إدارة ما يخصها، قل خوفها من أن يدير الآخر تفاصيل حياتها؛ وكلما وضحت صلاحيات المركز في القضايا السيادية الكبرى، أصبح لبنان أكثر وحدة لا أقل.
لن نقيس نجاح هذه المرحلة بعدد البيانات التي نصدرها أو المؤتمرات التي نعقدها أو طاولات الحوار التي نفتتحها. سنقيسه بما إذا أصبح للدولة سلاح واحد وحدود فعلية، وبما إذا أصبح القانون أقوى من الزعيم والقضاء أقوى من الهاتف، والوظيفة للكفوء لا للمحسوب، والمواطن آمناً من تعسف الدولة ومن خصومها في آن واحد. وسنقيسه أيضاً بما إذا أصبحت قرارات الحرب والسلام والسياسة الخارجية ومستقبل الجمهورية تُصنع في مؤسسات الدولة اللبنانية، لا في أي عاصمة أخرى.
هذه ليست مطالب فئة من اللبنانيين من فئة أخرى، ولا مشروع انتصار طائفة على طائفة، ولا استبدال هيمنة بهيمنة. إنها شروط وجود الجمهورية نفسها.
لقد أمضينا زمناً طويلاً نسأل كيف نحافظ على السلم من دون أن نبني الدولة، وكيف نحافظ على الوحدة من دون أن نتفق على قواعدها، وكيف نحافظ على الجيش من دون أن نعطيه احتكار القوة، وكيف نحافظ على الطوائف بأن نجعلها تخاف بعضها من بعض.
حان الوقت لقلب المعادلة.
نبني دولة فيصبح السلم نتيجة طبيعية لوجودها. نحمي الفرد فتطمئن الجماعة. نوزع السلطة لامركزياً أو اتحادياً فنحمي وحدة الجمهورية من الصراع الدائم على مركزها. نضع القضايا المصيرية في مجلس شيوخ قوي، ونترك التنافس السياسي الطبيعي لمجلس نواب سياسي. ونحتكر القوة في المؤسسات الشرعية لكي يصبح الاختلاف السياسي آمناً لا مقدمة لحرب.
فلا قضية أهم من الجمهورية، ولا همّ أهم من المواطن، ولا هدف أهم من السلام.
وعلى هذه الثلاثة، نبدأ.