مروان الأمين

نكبة الجنوب بين "حزب الله" وشركائه

3 دقائق للقراءة
"حزب الله" هو المسؤول المباشر عن هذه النكبة

سقطت تلّة علي الطاهر. وسقط معها، مرّة جديدة، وبعد الخيام وبنت جبيل وغيرها من مناطق الجنوب، بائع الأوهام وناشر الدمار والموت والاحتلال.

مع سقوط علي الطاهر، اتسعت رقعة الاحتلال الإسرائيلي، فيما تتكشّف يوماً بعد يوم حقيقة أكثر خطورة من الإحتلال نفسه: أن "حزب الله" مستعدٌ لرؤية إسرائيل تحتل الأرض اللبنانية، على أن تُسلَّم هذه الأرض إلى الشرعية اللبنانية.

بات واضحاً أن العدو الأول لمشروع "حزب الله" هي الشرعية اللبنانية؛ فإن أيّ خطوة تنجح الشرعية اللبنانية في تحقيقها، سواء في تجنيب أرض لبنانية الوقوع تحت الاحتلال الإسرائيلي، أو في استعادة أرض محتلة، أو في تحرير معتقلين، تصبح بالنسبة إلى "الحزب" إنجازاً يجب تهشيمه والتقليل من أهميته، لأنه يثبت معادلة: "حين تُنجز الشرعيّة تصبح علّة وجود "حزب الله" مهدّدة".

هذه هي وضعية "حزب الله" التي لا لبس في وضوحها. لكن ماذا عن الآخرين؟ ماذا عن الطرفين اللذين يستطيعان، كلٌّ من موقعه، القيام بدور فعّال لتجنيب الجنوب وأهله المزيد من الدمار والموت، والحؤول دون تمكين إسرائيل من توسيع رقعة احتلالها؟ المقصود هنا تحديداً الشرعية اللبنانية، بمؤسستيها السياسية والعسكرية، والرئيس نبيه بري.

حتى الآن، ما زالت الشرعية اللبنانية تتعامل مع ما يجري في الجنوب من موقع المتفرج على أحداث لا تعنيه، ومسلّمة لـ"حزب الله" حق التصرف بالجنوب وأهله وكأنهما ملكية خاصة يحق له أن يديرها وفق حساباته وقراراته.

وآخر الأمثلة على ذلك ما حصل في تلّة علي الطاهر. فلم تُحرك الدولة ساكناً حتى حين رفض "حزب الله" تسليم التلّة إلى الجيش تجنّباً لاحتلالها. تُركت التلة لـ"الحزب"، وانتهى الأمر بسيطرة الجيش الإسرائيلي عليها.

هنا تحديداً تكمن المفارقة التي لا يمكن للسلطة اللبنانية أن تستمر في تجاهلها: كيف يمكن أن يتم التجاوب مع مطالبة الدولة إنسحاب إسرائيل من الأرض اللبنانية، فيما ترفض في الوقت نفسه فرض سيادتها على هذه الأرض؟

إن استعادة السيادة ليست في البيانات والمواقف السياسية، بل في إظهار الإرادة على ممارسة السيادة على كامل الأراضي. وأي تردد في هذا المجال لا يضعف الدولة فحسب، بل يترك الجنوب مكشوفاً أمام طرفين: سلاح خارج الشرعية من جهة، واحتلال إسرائيلي من جهة أخرى.

أما الرئيس نبيه بري، فهو أيضاً شريك في استمرار مأساة الجنوب وأهله وفي توسيع مساحة الاحتلال.

ما قيمة الحفاظ على وحدة الصف مع "حزب الله" مقابل خسارة الجنوب كله؟ ما الأهم: الوحدة السياسية الشيعية أم حياة الجنوبيين وأرزاقهم؟ وما قيمة هذه الوحدة إذا سقطت كل إمكانية لعودة الشيعة إلى قراهم؟

الرئيس بري يدرك أن المجزرة المفتوحة في الجنوب لن تتوقف ما دام "حزب الله" مستمراً في الخيارات نفسها. كما يدرك أن الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار لن يتحققا ما دام "الحزب" يحتفظ بسلاحه. إن تأمين التغطية السياسيّة لـ"حزب الله" والتمسك بوحدة الصف معه، في ظل الشروط نفسها، يجعلان من بري شريكاً في تثبيت النتائج المترتبة على هذه الخيارات.

"حزب الله" هو المسؤول المباشر عن هذه النكبة وعن تمدّدها، لكنه ليس وحده في دائرة المسؤولية. فالتنازل عن سيادة الشرعية لصالح "حزب الله" هو فعل شراكة، وتأمين الغطاء السياسي له هو أيضاً فعل شراكة.