فتات عيّاد

نداء النبطية الثاني: فرصة "ثانية" و"أخيرة" لعودة الدولة

9 دقائق للقراءة
احتضان أهلي للجيش في النبطية

إذا كان "نداء النّبطية الثاني" هو النداء الذي حمل أكثر من 400 توقيع لأهالي النبطية، ليطالب بتثبيت وجود الدولة اللبنانية في الجنوب بعد "النّداء الأول" الذي أطلق في 29 أيار الماضي، فلعل "نداء النبطية الثالث"، بالمعنى الرمزي، يُختصر بمشهدية المرأة الجنوبية "ناثرة" الأرزّ على الجيش اللبناني بعد أقل من 24 ساعة على النداء الثاني. وما بين الندائين الأول والثاني، سقوط "بوابة النبطية"، أو "تلة علي الطاهر" بيد إسرائيل، بعد أن فضّل "حزب الله" واقع احتلالها على تسليمها للجيش اللبناني، وليس هذا غريبًا على سلاح غير شرعي، يعتاش من تقويض الدولة وسلاحها الشرعيّ.

وإذا كان دور "نداء النبطية الأول"، دقّ ناقوس الخطر، بعد اعتداءات إسرائيل على قلعة الشقيف، ومنع تمدد الاعتداءات والاحتلال لعمق النبطية، فإن "نداء النبطية الثاني" يأتي عمليًا بعد سقوط تلة علي الطاهر، لينقل لهجة النداء لمستوى أوضح وأقسى: إن تجاه "حزب الله"، أو دور الدولة اللبنانية وضرورة فرض سيادتها في النبطية، بعدما أصبح احتلال تلة الطاهر واقعا.

توقيت نداء النبطية الثاني، تقاطع مع تيقظ بعبدا لضرورة تثبيت "الدولة" جنوبًا. إذ ترأس رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمس اجتماعًا أمنيًا حضره قائد الجيش، والمدراء العامون للأجهزة الأمنية، للبحث في الاوضاع الأمنية في الجنوب والنبطية خصوصًا، مشددًا على أن أي فراغ أمني في الجنوب يشكل ذريعة للاعتداءات ومساسًا بالسيادة الوطنية، معتبرًا أن الانتشار الأمني في النبطية متصل بالتزامات الدولة اللبنانية وموقعها التفاوضي في الملف مع إسرائيل، باعتبار أن ضبط الأمن الداخلي يعزز الموقف اللبناني الرسمي.

فماذا بين الندائين؟ وماذا عن أهمية احتضانهما شعبيًا؟ وهل تمنع الدولة اللبنانية اليوم سقوط النبطية بالكامل؟


النداء رقم 1 وسقوط علي الطاهر

جاء نداء النبطية رقم واحد، في 29 أيار الماضي، كمحاولة لاستباق السقوط، مطالبًا بـ"إبعاد لبنان والجنوب عن سياسات المحاور وحروب الآخرين، كي لا تكون النبطية والجنوب ورقة في مفاوضات إقليمية لا ناقة لنا فيها ولا جمل، مع فرض سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها".

في حينه كان الإسرائيليّ وصل إلى بلدات قضاء النبطية ومشارف النبطية الفوقا، مع اعتداءات طالت قلعة الشقيف التاريخية. أما اليوم فباتت علي الطاهر نفسها ساقطة عسكريًا والخطر على النبطية قضاء ومدينة يتوسع، مع بقاء سياسة "حزب الله"، سياسة محاور تولي مصالح إيران على لبنان.

فما خشيه الموقّعون، وقع قبل أن تستعيد الدولة المبادرة. إذ حاول أهالي النبطية تجنيب مدينتهم كأس الاحتلال المرّ، لكن "حزب الله" فضّل سقوط علي الطاهر، "بوابة النبطية" كنقطة استراتيجية، بيد الاحتلال الإسرائيليّ، على تسليمها للجيش اللبناني. فانتقلت التحذيرات من اعتداءات على قلعة الشقيف إلى احتلال علي الطاهر.


نداء رقم 2... النبطية المدينة

سقوط تلّة علي الطاهر، كمرتفع استراتيجي يتخطى المعنى الرمزي للمعنى العسكري، فتمركز إسرائيل فيها يمنحها إشرافًا دقيقًا على المدينة، وإذا ما ترافق مع تصعيد في الضربات الجوية الدقيقة، فسيعني استحكامًا ودمارًا ليس في قرى حدودية، بل في مدينة هي مركز وشريان اقتصادي جنوبي أساسي.

من هنا يفهم نداء النبطية 2، ليس كصرخة استباقية، بل كإنذار أخير، وقّع عليه أكثر من 400 شخص من أهالي النبطية وحظي بتأييد وطني، وجاء ليؤكّد 3 أفكار أساسية: إسرائيل مسؤولة مباشرة عن العدوان والاحتلال، "حزب الله" مسؤول عن الخيارات التي قادت إلى النتيجة. والدولة مسؤولة عن الغياب والانكفاء، وحماية النبطية تمر حصرًا عبر عودة الدولة الغائبة والمنكفئة.

وتحميل "حزب الله" مسؤولية بشكل واضح وحازم، وكذلك تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية فرض دورها في حماية النبطية، جاءا في النداء الثاني ليرفعا من سقف الخطاب السياسي، على وقع ارتفاع ناقوس خطر تهديد النبطية.

ومن أبرز ما جاء في النداء، اعتبار "العدو الإسرائيلي المسؤول الأول والمباشر عن العدوان والقتل والاحتلال والتدمير". ‎لكن "وضوح مسؤولية العدو لا يمحو مسؤوليات الداخل، بل يجعلها أشد إلحاحًا".

ويعتبر موقعو النداء على صعيد تحميلهم "حزب الله" مسؤولية، أن "المسؤولية عن الخيارات والقرارات والمواقف تقع على من اتخذها أو غطّاها أو سكت عنها. ومن أمسك طوال سنوات بقرار الحرب والأمن، وقال للجنوبيين إنه الأقدر على حمايتهم، عليه أن يجيب اليوم عن نتائج خياره: أين أصبحت الأرض؟ ماذا حلّ بالقرى؟ وماذا بقي من قدرة الناس على الصمود والعودة؟".

ويحمّل النداء "حزب الله" مسؤولية احتلال علي الطاهر، فـ"ما جرى في تلال علي الطاهر لا يمكن تجاوزه. فهذه التلال هي بوابة النبطية وأحد المواقع الأساسية لحمايتها. وعندما أصبح ممكنًا وضعها في عهدة الدولة والجيش اللبناني، رُفض ذلك، فوقعت في يد الاحتلال. الأرض التي لم تُسلّم للدولة في الوقت المناسب أصبحت في عهدة العدو، والنبطية باتت مهددة من بوابتها. لم يعد مقبولاً تكرار الخطاب نفسه. حماية الناس والأرض يجب أن تتقدّم على كل اعتبار حزبي أو إقليمي".

‎وحملت الدولة اللبنانية، في المقابل مسؤوليات. إذ "يسأل الناس بحق: أين الدولة، ولماذا يغيب الجيش عن مناطق يستطيع أن يكون فيها؟ فكل فراغ تتركه الدولة يصبح مساحة مفتوحة أمام قوى الأمر الواقع والعدو معًا"، ليستنتج النداء أن هناك "مسؤولية مباشرة وحاسمة أيضًا على الدولة اللبنانية، ممثلةً برئاسة الجمهورية وبرئاسة الحكومة مجتمعتين، وعلى الجيش اللبناني، للقيام بدورهم الدستوري والوطني في حماية النبطية وقرى القضاء وسكانها، من دون انتظار تفاوض أو تراضٍ مع أي جهة، ومن دون التعامل مع حماية الناس والأرض وكأنها مسألة خاضعة للمساومات السياسية".

أهل النبطية: نريد الدولة

محمد عواضة، أحد الموقعين على نداء النبطية 2، يوضح في حديث لـ"نداء الوطن" بأنّنا كموقّعون على النداء نقول اليوم: كفى، إذ يجب أن تتوقف الحرب بعدما دُمّر الجنوب نتيجة مغامرات سياسية، فيما بات جيش الاحتلال الإسرائيلي على مشارف مدينة النبطية، ومن الناقورة إلى شبعا، هناك قرى مُسحت عن بكرة أبيها، ولم تعد فيها حياة أو إمكانية لأهلها بالعودة إليها، من هنا نطالب بوقف الحرب، وندعو الدولة إلى أخذ دورها، لأنه لا بديل عن الدولة ومؤسساتها.

للحرب أكلاف دفع أهالي النبطية ثمنها باهظًا في أرواحهم وأملاكهم، وأرزاقهم، وبالنزوح وما يحمله من أكلاف مادية ومعنوية باهظة، أولها خشية خسارة الأرض نفسها.

في السياق، يرى عواضة "بوجوب قيام "حزب الله" بمبادرة تجاه بيئته أولا، فبيئته أصبحت منكوبة، وأن يستعيد شيئًا من قراره الداخلي، إن بقيت هناك إمكانية لذلك، من أجل إنقاذ ما تبقى من الجنوب، فتعنّت حزب الله لم يسلّم علي الطاهر فقط، بل خسرنا بسببه كل الجنوب، وآخرها علي الطاهر، وتكمن أهمية التلة في قربها من النبطية وموقعها الاستراتيجي في المنطقة".

ويستغرب "كيف يمكن لحزب لبناني أن يصل إلى مرحلة يرفض فيها تسليم تلة إلى جيشه الوطني، ويسلّمها إلى جيش الاحتلال؟"، مضيفًا: "هيدي بعد ما صارت بالتاريخ... وهي كارثة يجب أن يتوقف عندها اللبنانيون".

ويتعامل "حزب الله" مع الجنوبيين، فارضًا عليهم الحرب والتهجير كأنه قدر حتمي نهائي لهم. يقول عواضة: "نحن كجنوبيين ندعو كل أهل الجنوب إلى رفع الصوت والقول كفى حروبًا منذ ستينات القرن الماضي، فنحن شعب يجب أن نعيش مثل بقية اللبنانيين ومثل بقية شعوب العالم، بهدوء وسلام، فقد دفعنا أثمانًا هائلة".

في المقابل، يعتب الجنوبيون على الدولة، توقًا لوجودها وحمايتها لهم كمواطنين. يقول عواضة: "لدينا استغراب كبير من وجود قرى لا يحتلها الإسرائيلي، في جنوب الليطاني، وكان يُفترض بالجيش اللبناني، بعدما انسحب وأعاد الإنتشار عقب الانسحاب الإسرائيلي، أن يعود إليها ليأخذ دوره، بهدف استعادة الدولة دورها الأمني والسياسي وكل أدوارها، ولم يعد جائزًا أن تبقى الدولة منتظرة من يسمح لها بالدخول إلى أراضيها وبين مواطنيها لتأخذ دورها".

ففي مدينة النبطية تحديدًا، "لا نرى تمثيلا كافيًا لمؤسسات الدولة، إذ لا نريد وجودًا رمزيًا من دون دور، بل يجب أن يظهر هذا الوجود في المدينة وخارجها، سواء على صعيد الجيش والقوى الأمنية أو على الصعيد السياسي، لتثبت الدولة اللبنانية لأهل النبطية والجنوب عمومًا أنها المسؤولة عن حمايتهم. فالمسألة ليست ذات بُعد أمني فقط، بل لها بُعد سياسي أيضًا، يتعلق بانتماء هذا الشعب إلى الدولة، لا إلى أي حزب يفرض نفسه".

وينطلق عواضة من كوننا، كأهل النبطية، "لبنانيين مثل كل اللبنانيين، أي أن الدولة مسؤولة عنا، لا الأحزاب. يُفترض بالدولة أن ترى مواطنيها، فلنا حقوق وعلينا واجبات". من هنا، وأمام الانسداد السياسي الداخلي والإقليمي والدولي، "ندعو الدولة إلى القيام بدورها الدبلوماسي دوليًا، الذي لا يقل أهمية عن الدور الأمني، لحماية النبطية"، متوجهين إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب وكل مؤسسات الدولة، ومطالبين إياها بالقيام بدورها تجاه الجنوب، وبالتالي تجاه لبنان كله.

وللجنوبيين، يتوجه عواضة بالقول: "عليكم رفع الصوت، إذ لم يعد جائزًا هذا السكوت والخوف. لقد خسر الجنوبيون أراضيهم وبيوتهم وحياتهم، وسيخسرون ما تبقى من حياة لديهم إن لم يرفعوا الصوت ويقولوا: كفى". كما أن الجنوب جزء من لبنان، وكل المآسي التي يتعرض لها تطال لبنان كله، سواء أكانت أمنية أم اقتصادية أم غير ذلك.

الحاضنة الشعبية

بين النداء رقم 1 والنداء رقم 2، يبدو حضور الحاضنة الشعبية للدولة اللبنانية في النبطية أجرأ، مع تجرؤ سيدات على نثر الأرز على الجيش اللبناني، ترحيبًا به في النبطية.

بالتوازي، وبعد 24 ساعة على نداء النبطية 2، عزز الجيش اللبناني وجوده في المدينة. وأمس، كان كلام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن أمن النبطية والمناطق غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي واضحًا، إذ أكد أن أمنها جزء لا يتجزأ من أمن لبنان الواحد.

فهل تعود الدولة إلى الجنوب بتوقيتها وتوقيت إرادة شعبها، بمعزل عن توقيت "حزب الله"، من بوابة الجنوب، ليكون تعزيز انتشار الجيش اللبناني في المدينة مقدمة لحضور الدولة اللبنانية، الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة دستوريًا حماية اللبنانيين وبسط السيادة على أرضهم؟ كي لا يكون هناك نداء ثالث، وكي يبقى الجنوب للبنان وأهل الجنوب!