تعود قصة متلازمة المنصة المحترقة (Burning Platform) إلى كارثة حريق وانفجار منصة إنتاج النفط والغاز البريطانية "بايبر ألف" (Piper Alpha) في بحر الشمال بشهر تموز عام 1988، والتي أودت بحياة 166 شخصاً.
في السياسة كما في الاقتصاد والادارة، تتحول بعض أدوات النفوذ، مع مرور الوقت، من مصدر قوة إلى عبء. فعندما تُستنفد وظيفتها، يصبح التمسك بها أكثر كلفة من التخلي عنها. هنا تحديداً تنطبق استعارة «المنصّة المحترقة»: منصة صعد إليها طرف لتحقيق أهدافه، ثم اشتعلت النيران تحتها، فأصبح البقاء فوقها مكلفاً، فيما لم يعد النزول منها سهلاً.
من هذه الزاوية، يبرز سؤال يتجاوز النقاش اللبناني الداخلي: هل بدأ حزب الله يتحول من ورقة قوة إيرانية إلى «منصّة محترقة» تحاول طهران إدارة كلفتها، بدلاً من التخلي عنها؟
لا يعني هذا السؤال أن الحزب انتهى أو أن نفوذه تبخر. فهو لا يزال قوة سياسية وعسكرية وشعبية لا يُستهان بها، وله جمهوره وقاعدته الشعبية وحضوره المؤسساتي، إضافة إلى ترسانته الصاروخية وقدراته العسكرية. لكن ما تغيّر هو البيئة الإقليمية والدولية التي سمحت، على مدى عقود، بتمدد النفوذ الإيراني ومنحت حزب الله قيمة وظيفية في الحسابات الاستراتيجية لطهران، وهي وظيفة أدتها قيادته بدقة وبراعة منذ مرحلة ما بعد اتفاق الطائف في لبنان.
فحزب الله لم يكن، منذ تأسيسه، مجرد حزب لبناني تقليدي، بل نشأ كجزء أساسي من منظومة النفوذ والردع الإيرانية في المنطقة، وتطوّر تدريجياً إلى أداة استراتيجية تجمع بين القوة العسكرية والتأثير السياسي والحضور الإقليمي. وتكتسب شهادات المفكر سعود المولى، الذي عايش مرحلة التأسيس وشارك في نقاشاتها وراقب تحوّلاتها عن قرب، أهمية في فهم هذا المسار. فصعود الحزب لم يكن مجرد تطور داخلي لبناني، بل جزءاً من تحوّل إقليمي أوسع جعل منه إحدى أبرز أوراق طهران في لبنان والمشرق.
ومن خلال هذه الوظيفة، تمكنت طهران من امتلاك ورقة قوة متقدمة في المشرق، واستخدامها للتأثير في المعادلات اللبنانية والعربية والإقليمية.
لكن قيمة أي ورقة استراتيجية ليست ثابتة. فعندما تتغير الظروف وترتفع كلفة استخدامها، يبدأ صاحبها بإعادة تقييم وظيفتها، وكلفتها، وأهدافها، ومخاطر الاحتفاظ بها، فضلاً عن إمكانية استخدامها في سوق المفاوضات والمقايضات الدولية.
وهنا تكمن العقدة.
فالقوة التي بنت دعايتها على الردع والتحرير والحماية تحولت، إلى عنوان لأزمة السيادة اللبنانية، ورمز للمجازر في الحرب السورية، وعامل اساسيا في دورات العنف والدمار والتهجير في الجنوب. والسلاح الذي قيل إنه وُجد لحماية وبناء الجنوب بدلاً من أن يحمي هجر. وبدلاً من أن يبني دمر.
ومع كل مواجهة، يدفع اللبنانيون والاقتصاد والدولة، أثماناً يصعب على لبنان تحمّلها.
الحزب، إذاً، يمثل استثماراً استراتيجياً إيرانياً تراكم على مدى عقود. ومن غير المنطقي افتراض أن طهران راغبة، حتى الآن، في التخلي عنه مجاناً. لكن الاستثمارات الاستراتيجية، مثل غيرها، تخضع لإعادة الحساب عندما تتغير البيئة التي قامت عليها.
فإذا أصبحت الكلفة السياسية والعسكرية والإقليمية للحزب أعلى من العائد الذي يوفره لإيران، يصبح السؤال الإيراني مختلفاً: كيف يمكن الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النفوذ، من دون تحمل كلفة إضافية؟
وهنا تبدأ فكرة «المنصّة المحترقة».
قد لا يكون المطلوب إسقاط المنصّة، بل إعادة تقييم قيمتها. وقد لا يكون الهدف التخلي عن الحزب، بل الحفاظ عليه كورقة تفاوضية يمكن استخدامها في المفاوضات الكبرى، أو رفع قيمته في سوق المقايضات الإقليمية والدولية.
لكن السؤال الأخطر يبقى: إذا دخل الحزب فعلاً في لعبة المقايضة، فما الذي يبقى من المشروع الذي قامت عليه هذه القوة طوال عقود؟
اليوم، من الجنوب إلى الضاحية، تبدو النار أقرب إلى المنصّة. والخطر الحقيقي ليس فقط في أن تحترق، بل في أن تصر القيادة على البقاء فوقها مهما ارتفعت الحرارة، وأن تستمر السلطة اللبنانية في التعامل مع الحريق وكأنه مجرد خلاف سياسي يمكن تأجيله.
إيران قد ترى في حزب الله ورقة لا يمكن التفريط بها من دون الحصول على ثمن باهظ. والحزب قد يرى في السلاح الضمانة الأساسية لبقائه وقوته ودوره. وفي المقابل، تخشى قوى لبنانية أن يؤدي أي تغيير مفاجئ إلى صدام داخلي، فيما تبدو الدولة عاجزة، أو غير راغبة، في إدارة انتقال بهذا الحجم.
وهكذا يستمر الجميع في تأجيل السؤال الأصعب: كيف يمكن الخروج من أزمة «المنصّة المحترقة»؟
لكن التأجيل لا يطفئ النار.
قد يبقى حزب الله قوة فاعلة لسنوات طويلة، وقد يحتفظ بحضور شعبي وتنظيمي كبير. لكن بقاء القوة لا يعني بالضرورة بقاء الوظيفة نفسها. فالوظائف الاستراتيجية تتغير عندما تتغير البيئة التي أنتجتها، والظروف الدولية والإقليمية التي سمحت للحزب بأن يصبح قوة عسكرية وسياسية وإقليمية ليست بالضرورة هي نفسها التي سيواجهها في المرحلة المقبلة.
وهنا تحديداً يكمن التحول الحقيقي.
المطلوب ليس إعلان سقوط الحزب، ولا افتراض نهايته، بل قراءة ما إذا كانت الظروف التي سمحت له بأن يؤدي دوره السابق بدأت تتغير بصورة عميقة يصعب عكسها.
إذا كانت الإجابة نعم، فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة إعادة تعريف لا بالضرورة مرحلة سقوط؛ مرحلة انتقال من وظيفة إلى أخرى، ومن موقع إلى آخر، ومن أداة صدام إلى ورقة تفاوض.
وعندها يصبح السؤال الأهم:
هل لا يزال حزب الله «منصّة استراتيجية» قادرة على حمل طموحات المشروع الإيراني كما فعلت طوال العقود الماضية، أم أن النار التي اشتعلت تحتها جعلت الحفاظ عليها أكثر كلفة من إعادة بناء النفوذ على قواعد جديدة؟
لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاوزها: إذا كان حزب الله هو «المنصّة»، فإن لبنان هو الأرض التي تقف عليها.
والمطلوب في النهاية ليس إنقاذ المنصّة، بل إنقاذ الدولة التي تحملها.
فالسياسة قد تسمح بتأجيل الانفجار، لكنها لا تستطيع إلغاء قوانين الكلفة. وكل منصّة مشتعلة تمنح الواقفين فوقها خيارين فقط: النزول بإرادتهم، أو انتظار اللحظة التي تجبرهم فيها النار على النزول أو الموت فوق المنصة.
والسؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة ليس فقط: هل تحترق المنصّة؟ بل: من سيقرر متى ينزل عنها، ومن سيدفع ثمن احتراقها؟