في كتابه "الأبطال وعبادة البطولة، والبطولي في التاريخ"، رأى توماس كارلايل أن التاريخ هو، في جوهره، سجلّ أفراد استثنائيين، رجال منحتهم شجاعتهم وقوة شخصيتهم القدرة على منح عصرهم اتجاهاً حين تعجز مؤسساته عن ذلك. ولم يقصد كارلايل أن هؤلاء الرجال يستحضرون التاريخ من العدم. فهم ينبثقون من فوضى لم يصنعوها، لكنهم يمسكون بزمامها، وبذلك يحوّلونها. الأزمة توفر الفرصة، والرجل العظيم يمنحها الاتجاه.
قيصر مثال نموذجي ، ومن السهل إدراك السبب. فقد كانت روما تتآكل منذ عقود قبل ظهوره، ومجلس الشيوخ مشلول، والقادة يبنون جيوشهم الخاصة، ولا أحد قادر على الاتفاق على من يمسك بزمام الأمر فعلياً. لم يُصلح قيصر شيئاً من ذلك بطريقة نظيفة أو نبيلة. لكنه رفض أن تبتلعه الأزمة، وبمقاومته إياها، تحوّل إلى القوة السياسية التي كان على الجميع الالتفاف حولها. وقد شغل بشير الجميّل الموقع نفسه لدى مسيحيي لبنان. وهو ليس مطابقاً لموقع قيصر بالطبع؛ فالقرون والحروب والمخاطر كانت مختلفة، وادّعاء العكس يعني تكاسلاً من جهة الباحث. لكن يمكن القول إنه أدّى الدور نفسه: ظهر حين كان النظام القديم قد سقط بفعل الفوضى والحرب، وفرض الوحدة، وتسلّم السلطة في مواجهة احتمالات كان يُفترض أن تهزمه، ثم قُتل قبل أن يعرف أحد ما كان سيفعل منتصرا. لم يخسر المسيحيين زعيماً فحسب في أيلول 1982، بل خسروا قيصر.
جمهورية في انهيار
لم تكن روما قبل قيصر جمهورية بقدر ما كانت ذكرى جمهورية. وكان لبنان في أواخر السبعينيات في حالة مشابهة، وبالنسبة إلى المسيحيين تحديداً، لم يكن الخطر "حرباً غريبة" غامضة، بل كان له شكل محدد، وذلك الشكل كان متعدد الأوجه. برزت منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت قد أقامت فعلياً، بعد اتفاق القاهرة عام 1969، دولة داخل الدولة في جنوب لبنان وأجزاء من بيروت وجبل لبنان؛ أراضٍ لم يكن الجيش اللبناني قادراً على دخولها، ناهيك عن حكمها. وأُضيفت إلى ذلك لحركة الوطنية اللبنانية، تحالف كمال جنبلاط اليساري مع الشيوعيين الذي أراد تمزيق الترتيب الطائفي مع المسيحيين والقضاء عليهم. وفوق ذلك، نشطت ميليشيات إسلامية وقومية عربية تستخدم أعداداً كبيرة من المرتزقة من دول عربية مختلفة. وأخيراً وليس آخراً، تصدّر المشهد الجيش البعثي السوري، الذي دخل عام 1976 بذريعة إعادة النظام، وخلال سنوات قليلة كان يحاصر زحلة وبيروت الشرقية في محاولة لاجتياح جبل لبنان. مجتمعةً، وفي نظر غالبية المسيحيين اللبنانيين، شكّلت هذه القوى ما يشبه حصاراً بطيء الحركة. هذا هو العالم الذي دخله بشير: عالم لم يكن هادئاً ولا مستقراً، بل مزدحماً بقوى عازمة على إقصاء جماعته أو إخضاعها.
صناعة موحِّد
ما فعله بشير فعلاً، قبل أي شيء آخر، هو أنه أرغم التنظيمات العسكرية المسيحية على الانضواء تحت قيادة واحدة. يبدو الأمر بسيطاً حين يُكتب هكذا، لكن والده نفسه، بيار الجميّل، رئيس حزب الكتائب اللبنانية، والرئيس السابق كميل شمعون، لم يكونا موافقين، أو متحمسين على أقل تقدير لفكرة إنشاء أو تأسيس القوات اللبنانية وكذلك معظم الحرس القديم في الجبهة اللبنانية. لم يكونوا يرون في جيش مركزي موحّد أمراً ضرورياً أو حكيماً. لكن بشير فعلها رغم ذلك. لم يكن يعيد تنظيم قوات فحسب، بل كان يراهن، وهو يدرك جيداً أن الجماعة المنقسمة تُهزم، وأن الجماعة الموحّدة وحدها تملك إمكانية البقاء.
كان لذلك الرهان ثمن. فتوحيد التنظيمات العسكرية تطلب، مهما بدا الأمر قاسياً، إخضاع المنافسين المسيحيين الذين وقفوا في طريقه. وقيصر عامل بومبيوس بالطريقة نفسها عبر حرب داخلية دموية وقاسية. يحلو للتقليد الروماني أن يقول إنه احترم ذكراه بعد انتهاء الأمر، صحّ ذلك أم لم يصحّ. أما مسألة ما إذا كان سجلّ بشير تجاه الأطراف المسيحية التي كسرها يصمد بالقدر نفسه، فهي مسألة خلافية. لكن كلا الرجلين أدرك أن الوحدة لا تتحقق من دون مواجهة الانقسامات داخل معسكره هو نفسه، وعند الضرورة، كسر قوة من وقف في طريقها.
عبور الروبيكون
يُذكر عبور قيصر لنهر الروبيكون بوصفه اللحظة التي أصبح فيها التراجع مستحيلاً، النقطة التي لم يعد فيها التردد خياراً متاحاً. وكان لبشير نسخته الخاصة من تلك اللحظة، إذ بنى قوة مسيحية مسلّحة ومنضبطة في تحدٍّ علني لجيش احتلال ولشكوك أركان جيله السابقين. فالرجال العظماء، بحسب سردية كارلايل، لا يقضون وقتهم في وزن الإيجابيات والسلبيات إلى ما لا نهاية. عند نقطة معينة، يصبح القرار نفسه هو الحجة الكاملة. ومن هناك تبدأ قصة بشير فعلياً، من اللحظة التي قرر فيها أن التردد لم يعد خياراً.
السلطة في مواجهة الاحتمالات
في 23 آب 1982، انتُخب بشير رئيساً للبنان تحت احتلال عسكري سوري وإسرائيلي معاً، وسط مقاطعة جزء كبير من معارضيه، ومعارضة سورية، ومعارضة دولية من الاتحاد السوفياتي ومعظم الدول المؤثرة على الداخل اللبناني. لم يمنحه أحد ذلك الانتخاب. لم يكن من المفترض أن يفوز به. وقد واجه صعود قيصر نفسه مقاومة راسخة مشابهة وخرج منها منتصراً رغم ذلك. وفي الحالتين، كافأت اللحظة من كان مستعداً للفعل بينما كان الآخرون لا يزالون منشغلون بالجدل حول الإجراءات.
ثمن التسامح
سيبقى مجهولاً كيف كانت ستبدو رئاسة بشير فعلياً، فقد استُشهد في 14 أيلول 1982، بعد ثلاثة أسابيع من انتخابه، قبل أن يتسلّم مهامه. لكن النية، الخطاب والرؤية الذي عبّر عنهم في تلك الفترة القصيرة تبقى ذات دلالة. تحدّث بشير عن حكم يتجاوز منطق الفئوية الضيق، وعن مد يده نحو مصالحة وطنية أوسع بدل الاكتفاء بانتصار مسيحي صرف. والقول إنه سامح كل خصم واجهه يوماً سيكون مبالغة، لكن النية تبدو صادقة، وتلك النية أو الطموح، الذي قُطع قبل أن يُختبر، ربما يكون أكثر ما يشبه به قيصر في موته. فقيصر أيضاً لم يُقتل في خضم الفتح، بل قُتل تماماً حين بدأ يحوّل القوة العسكرية إلى نظام دائم. كلا الموتين، كلٌّ بطريقته، يبدوان ثمن محاولة المصالحة بدل الاكتفاء بالتطهير.
حياة انقطعت باكراً
كان بشير في الرابعة والثلاثين من عمره حين قُتل، وهو عمر يضعه في زمرة صغيرة من الرجال الذين أسهم موتهم في الثلاثينيات من العمر، قبل أن تنضج مشاريعهم، في بناء أسطورتهم بقدر ما أسهمت حياتهم. فالإسكندر الأكبر مات عن اثنتين وثلاثين سنة، وهنري الخامس ملك إنكلترا عن خمس وثلاثين سنة، وموت بشير يندرج في النمط التاريخي نفسه: فهو لم ينهِ السؤال عمّا كان يمثّله، بل ضاعف حدّته.
قراءة بشير عبر كارلايل
لا رواية تاريخية جدّية تقول إن فرداً واحداً يفسّر النتائج التاريخية بمعزل عن سواه، لا في روما قيصر، ولا في لبنان بشير. فالجنود، والحلفاء السياسيون، وكل جهاز خلف القوات اللبنانية، هم من قاموا فعلياً بعمل النجاة خلال تلك السنوات، ونظرية تمحوهم ليست نظرية جدّية. ما يصيب فيه كارلايل هو أضيق من فكرة "رجل واحد يصنع التاريخ": فبعض الأزمات لا تنتج سوى الفوضى، وبين حين وآخر تنتج شخصاً يمنح تلك الفوضى وجهاً واتجاهاً. كان بشير ذلك الشخص بالنسبة إلى المسيحيين في زمن الحرب. وكون المرء مهماً تاريخياً ليس مساوياً لكونه فوق النقد. لم يكن بشير معصوماً، لكنه كان استثنائياً ومهماً بطريقة لم يكن عليها معظم الناس في ذلك الزمن.
اتّبع صعود بشير الجميّل وموته المسار نفسه الذي يمنحه التاريخ لـ"عظمائه"؛ فقد ظهر حين كانت مؤسسات جماعته قد سقطت بالفعل، وفرض الوحدة على معسكر مسيحي ممزّق، وتسلّم السلطة في مواجهة احتمالات صُمّمت لإيقافه. واغتياله بعد ثلاثة أسابيع من ذلك الانتصار لم يُقفل السؤال عمّا كان يمكن أن يبنيه، بل تركه مفتوحاً، وهذه الصفة غير المكتملة هي ما أبقى اسمه حيّاً منذ أربعة وأربعين عاماً. وبقراءة كارلايل، لم تكن أهمية بشير التاريخية لأنه كان بلا عيوب، بل لأنه كان، في مرحلة عنيفة وغامضة من تاريخ لبنان، الشخصية الوحيدة التي استطاعت جماعته أن تشير إليها كمخرج.
بعد بشير: ما الذي ضاع، وما الذي يبقى مستحقاً
تقود المقارنة مع قيصر إلى سؤال صعب: هل يحتاج مسيحيو لبنان، وهم مجزّأون ومُنهَكون، إلى بشير آخر؟ أنتجت فترة قيادته القصيرة ما يقارب تماسكاً تنفيذياً حقيقياً، سلطة مسيحية واحدة بدل سلطات متنافسة عدة، وصوتاً واحداً قادراً على التفاوض مع القوى الإقليمية والدولية بدلاً من أصوات متعددة متنافسة. لكن ذلك التماسك لم يدم بعده. وقد تعلّمت روما الدرس نفسه خلال جيل واحد: فموت قيصر لم يُعِد الجمهورية، بل ولّد الإمبراطورية مع أغسطس، المبنية حول شخص في مركز النظام، الذي افتتح "السلام الروماني"، فترة استمرت قرابة قرنين تميّزت باستقرار نسبي وازدهار وسلام إمبراطوري. أما اتفاق الطائف عام 1989، فقد جرّد الرئاسة المارونية من معظم صلاحياتها التنفيذية، ونقلها إلى رئاسة الحكومة السنّية ورئاسة المجلس النيابي الشيعية. وفي العقود التالية، فقد المسيحيون اللبنانيون زمام المبادرة، بدلاً من فرض الشروط والدفاع عن مصالحهم من موقع قوة، بات قبولهم بترتيبات يفرضها آخرون أمراً متزايداً.
أياً كان التماسك الذي تحقق في فترته، فقد كان حقيقياً، لكنه كان شخصياً لا بنيوياً، مرتبطاً بحضور رجل واحد، ولا حضارة تستطيع أن تبني بقاءها على ذلك لفترة طويلة. وهذا بالضبط ما يجعل مسألة "القيصر" جديرة بأن تُطرح بجدّية: فما يفتقر إليه المسيحييون منذ عام 1982 ليس عاطفة أو ذكرى، بل إطاراً متيناً لحضورهم في هذه الأرض، إطاراً بُني ليبقى بعد أي زعيم مهما بلغ استثناؤه. وقد لا يكون "القيصر" حلاً بذاته بقدر ما هو الصدمة الضرورية القادرة على فرض ذلك الإطار إلى حيّز الوجود: الشخصية الحاسمة بما يكفي لتأمين استقلالية واستمرارية مضمونة، قادرة على تأمين مستقبل لا لعهد سياسي واحد، بل لقرن آخر على الأقل.