يُعدّ إكليل الجبل، المعروف أيضًا باسم "Rosemary"، من الأعشاب العطرية الشهيرة التي ارتبطت منذ القدم بالمطبخ المتوسطي والطب التقليدي. فهو لا يضيف نكهة مميزة إلى الأطعمة فحسب، بل يحتوي أيضًا على مجموعة من المركبات النباتية النشطة التي جعلته موضع اهتمام الباحثين، خصوصًا بسبب خصائصه المضادة للأكسدة وللالتهاب، إضافة إلى الدراسات التي تناولت تأثيره المحتمل في الذاكرة وصحة الدماغ والعناية بالشعر.
تنتمي نبتة إكليل الجبل إلى الفصيلة الشفوية، وهي الفصيلة نفسها التي تضم النعناع والريحان والخزامى. وتُعرف علميا باسم "Salvia rosmarinus"، وهي نبتة دائمة الخضرة نشأت في منطقة البحر المتوسط، وتتميّز بقدرتها على النمو في الظروف الجافة والتربة جيدة التصريف.
من أبرز أسباب الاهتمام بإكليل الجبل احتواؤه على مركبات نباتية مهمّة، من أهمها حمض الروزمارينيك وحمض الكارنوزيك والكارنوسول. وتتميّز هذه المركبات بنشاطها المضاد للأكسدة، أي قدرتها على المساعدة في مواجهة الجذور الحرة التي يمكن أن تسبب إجهادًا تأكسديا للخلايا. ويُعدّ الإجهاد التأكسدي أحد العمليات المرتبطة بالشيخوخة والعديد من الاضطرابات الصحية. لذلك، فإن إدخال الأعشاب الغنية بالمركبات النباتية المضادة للأكسدة ضمن نظام غذائي متوازن قد يكون وسيلة بسيطة لزيادة التنوع النباتي في الغذاء.
وقد حظي إكليل الجبل باهتمام خاص في مجال حفظ الأغذية أيضًا، إذ تساعد مركباته المضادة للأكسدة على إبطاء أكسدة الدهون والزيوت، وهو أحد أسباب استخدامه تقليديا في بعض تطبيقات حفظ الطعام.
خصائص مضادة للالتهاب
يرتبط النشاط المضاد للأكسدة في إكليل الجبل أيضًا بالاهتمام بخصائصه المضادة للالتهاب. فقد دُرس حمض الروزمارينيك ومركبات أخرى موجودة في النبتة بسبب قدرتها المحتملة على التأثير في بعض المسارات والمواد المرتبطة بالالتهاب. وأظهرت الدراسات المخبرية وبعض الدراسات الحيوانية نتائج واعدة في هذا المجال، إلا أن من المهم التمييز بين النتائج المخبرية والفوائد الصحية المؤكدة لدى الإنسان. لذلك، لا يمكن اعتبار تناول إكليل الجبل علاجًا بديلا لأي مرض التهابي، بل يمكن النظر إليه كجزء من نظام غذائي غني بالأعشاب والخضراوات والفواكه ومصادر متنوعة من المركبات النباتية.
ولطالما ارتبط إكليل الجبل في الطب الشعبي والقصص التراثية بالذاكرة، حتى أُطلق عليه أحيانًا اسم "عشبة التذكّر". وفي السنوات الأخيرة، اهتم الباحثون بدراسة تأثير رائحة إكليل الجبل وبعض مركباته في الأداء المعرفي. وتشير بعض الدراسات الأولية إلى أن استنشاق رائحة زيت إكليل الجبل قد يكون مرتبطًا بتحسّن بعض جوانب الانتباه والمهام الذهنية، بينما تشير أبحاث أخرى إلى دور محتمل لبعض مركباته في العمليات المرتبطة بالذاكرة. ومع ذلك، لا تزال الأدلة في هذا المجال أولية مقارنة بالأبحاث المتعلقة بمضادات الأكسدة، ولذلك لا ينبغي اعتبار إكليل الجبل علاجًا لمشكلات الذاكرة أو القلق. لكنه يبقى من الأعشاب المثيرة للاهتمام في مجال البحث المتعلق بصحة الدماغ.
إكليل الجبل والشعر
من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في أبحاث إكليل الجبل علاقته بنمو الشعر. فقد أُجريت في عام 2015 دراسة سريرية قارنت استخدام زيت إكليل الجبل بالمينوكسيديل بتركيز 2% لدى أشخاص يعانون من تساقط الشعر الوراثي. وبعد ستة أشهر، أظهرت المجموعتان زيادة في عدد الشعر، وكانت النتائج متقاربة بينهما، كما أبلغ الأشخاص الذين استخدموا زيت إكليل الجبل عن حكة أقل في فروة الرأس مقارنة بمجموعة المينوكسيديل.
هذه النتيجة لافتة، لكنها لا تعني أن زيت إكليل الجبل أثبت أنه بديل مكافئ للمينوكسيديل لدى الجميع. فالدراسة كانت محدودة من حيث عدد المشاركين، ولذلك هناك حاجة إلى دراسات أكبر وأطول مدة لتأكيد هذه النتائج. كما أن تساقط الشعر قد ينتج عن أسباب عديدة، مثل نقص بعض العناصر الغذائية أو التغيرات الهرمونية أو بعض الأمراض، لذلك من الأفضل استشارة الطبيب أو اختصاصي الأمراض الجلدية قبل الاعتماد على أي علاج موضعي.
وتجدر الإشارة إلى أن زيت إكليل الجبل المستخدم على الجلد أو فروة الرأس ينبغي تخفيفه بزيت ناقل مناسب، وعدم استخدام الزيت العطري المركّز مباشرة على الجلد، لأن ذلك قد يسبب تهيجًا أو احمرارًا أو حكة.
إكليل الجبل في النظام الغذائي
تُعدّ إضافة إكليل الجبل إلى الطعام الطريقة الأبسط والأكثر عملية للاستفادة منه كعشبة غذائية. ويمكن استخدام أوراقه الطازجة مع الخضراوات المشوية، أو إضافتها إلى تتبيلات الدجاج والأسماك، أو استخدامها مع البطاطا والأطباق التي تحتوي على الجبن. كما يمكن تحضير شاي إكليل الجبل من خلال نقع كمية صغيرة من الأوراق في الماء الساخن لمدة تتراوح بين خمس وعشر دقائق، ثم تصفيته قبل تناوله. ويتميّز إكليل الجبل الطازج برائحة وزيوت عطرية أكثر وضوحًا من النبات المجفف، خصوصًا عندما يكون المجفف قد بقي فترة طويلة على رفوف المتاجر.
وتُعدّ الكميات المعتادة المستخدمة في الطهي مناسبة لمعظم الأشخاص، لكن هذا لا يعني أن الكميات المركّزة آمنة بالضرورة. فالزيوت العطرية والمستخلصات المركّزة تختلف بشكل كبير عن الكميات الصغيرة المستخدمة كتوابل. كما ينبغي الحذر عند استخدام مستحضرات إكليل الجبل المركّزة لدى الأشخاص الذين يتناولون بعض الأدوية، خصوصًا تلك التي تؤثر في ضغط الدم أو إدرار البول أو تخثر الدم، وكذلك الليثيوم. ويُفضَّل استشارة الطبيب قبل استخدام الجرعات العلاجية أو المكملات. أما خلال الحمل، فيُنصح بالالتزام بالكميات الغذائية المعتادة وتجنب الاستخدام الطبي أو الجرعات المركّزة إلا بعد استشارة الطبيب.
في الخلاصة، إكليل الجبل ليس مجرّد عشبة تضيف نكهة مميزة إلى الطعام؛ فهو يحتوي على مجموعة من المركبات النباتية، أبرزها حمض الروزمارينيك وحمض الكارنوزيك والكارنوسول، التي جعلته موضع اهتمام علمي بسبب خصائصها المضادة للأكسدة وللالتهاب. كما تشير بعض الأبحاث إلى فوائد محتملة تتعلق بالذاكرة وصحة الدماغ، بينما أظهرت دراسة سريرية نتائج مشجعة حول استخدام زيت إكليل الجبل لنمو الشعر. ومع ذلك، ما زالت بعض هذه الفوائد بحاجة إلى مزيد من الدراسات البشرية الكبيرة لتأكيدها. لذلك، يبقى أفضل استخدام عملي لإكليل الجبل هو إدخاله باعتدال ضمن نظام غذائي متنوع ومتوازن، سواء مع الخضراوات أو الأسماك أو الدجاج أو البطاطا أو على شكل شاي. أما استخدام الزيوت والمستخلصات المركّزة لأغراض علاجية، فيحتاج إلى مزيد من الحذر واستشارة المختصين.
Instagram: dietcenterleb
LinkedIn: Diet Center Lebanon