سوسن وزّان وسارة فوّاز

كيف يدعم غذاؤنا الذاكرة والمزاج والقدرات العقلية؟

6 دقائق للقراءة

لم يعد يُنظر إلى الغذاء على أنه مجرّد مصدر للطاقة التي يحتاجها الجسم لأداء وظائفه اليومية، إذ تشير الأبحاث الحديثة، بشكل متزايد، إلى أن التغذية تؤدي دورًا مهمًا أيضًا في صحة الدماغ ووظائفه. فالغذاء يؤثر في الأنظمة المسؤولة عن الذاكرة والتعلّم والمزاج والقدرات الإدراكية، كما يمكن أن يساهم في دعم صحة الدماغ على مدى مراحل الحياة المختلفة.

في هذا السياق، يسلّط "The Journal of Nutrition" الضوء على مجال متنامٍ يُعرف باسم "علم الأعصاب الإدراكي الغذائي" (Nutritional Cognitive Neuroscience)، من خلال مجموعة خاصة من الأبحاث التي تتناول العلاقة المعقّدة بين التغذية والدماغ. ويأتي هذا الاهتمام في وقت تتزايد فيه تحدّيات الصحة النفسية والعصبية حول العالم، بالتزامن مع تزايد الأدلّة العلمية التي تشير إلى أهمية التغذية في الحفاظ على وظائف الدماغ.


علاقة متعددة الجوانب

لا يمكن تفسير تأثير الغذاء في الدماغ من خلال عنصر غذائي واحد فقط، فالعلاقة أكثر تعقيدًا وتشمل أربعة أبعاد مترابطة. أولا، هناك العوامل البيئية التي تؤثر في قدرة الأشخاص على الوصول إلى الأطعمة الصحية واختيارها. وثانيًا، هناك العوامل النفسية التي تؤثر في عادات تناول الطعام، والتي يمكن أن تتأثر بدورها بما نأكله. أما البعد الثالث، فهو العوامل البيولوجية، بما في ذلك الطريقة التي يتعامل بها الدماغ والجسم مع العناصر الغذائية ويستخدمانها. وأخيرًا، يأتي نمط الحياة، مثل النشاط البدني والنوم والعادات اليومية، وهي عناصر يمكن أن تؤثر في أنماط الأكل وصحة الدماغ.

وتساعد هذه الأبعاد، مجتمعة، على فهم سبب اختلاف استجابة الأشخاص للتغذية، وكيف يمكن للنظام الغذائي الصحي أن يدعم مرونة الدماغ وقدرته على التكيّف، إضافة إلى تعزيز قدرته على مواجهة بعض التحديات المرتبطة بالتقدم في العمر.


التغذية والحمل

تُظهر الأبحاث اهتمامًا متزايدًا بتأثير تغذية الأم خلال فترة الحمل في نمو دماغ الطفل. وتشير بعض الدراسات إلى أن الاختلال في توازن أنواع معينة من الدهون أثناء الحمل قد يرتبط بتغيّرات في التعلّم والذاكرة والسلوك الاجتماعي لدى الأبناء، وقد تستمر بعض هذه التأثيرات حتى مرحلة البلوغ. وهذا يوضح أن الاهتمام بصحة الدماغ لا ينبغي أن يبدأ في مرحلة الشيخوخة فقط، بل يمكن أن يبدأ منذ المراحل المبكرة من الحياة، من خلال توفير تغذية متوازنة للأم والطفل.

وتبحث الدراسات أيضا في تأثير بعض العناصر الغذائية والأطعمة المحدّدة في الدماغ. فقد جرى التركيز على الأطعمة الغنية بمضادات الأكسدة، إضافة إلى عناصر مثل فيتامين K، ودورها المحتمل في تقليل الالتهاب ودعم الذاكرة والتعلّم.

كما تبرز أهمية العلاقة بين الأمعاء والدماغ. فما نتناوله يؤثر في البكتيريا الموجودة في الأمعاء، والتي يمكن أن تتفاعل مع المسارات الأيضية والالتهابية المرتبطة بوظائف الدماغ. لذلك، فإن صحة الجهاز الهضمي والتغذية المتوازنة قد تكونان جزءًا مهمًّا من الصورة الكاملة لصحة الدماغ.


ماذا ومتى نأكل؟

تتناول بعض الأبحاث أيضًا توقيت الوجبات وانتظامها، وليس فقط نوعية الطعام. فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن البالغين الذين تناولوا الطعام بوتيرة أكثر انتظامًا حققوا أداء أفضل في بعض اختبارات الذاكرة واللغة والوظائف التنفيذية. ومع ذلك، لا يعني الأمر وجود قاعدة غذائية واحدة تناسب الجميع، بل يشير إلى أن نمط تناول الطعام وانتظام الوجبات قد يكونان من العوامل التي تستحق الاهتمام عند النظر إلى الصحة الإدراكية.

ورغم انتشار الحديث عن "أطعمة الدماغ"، لا يوجد طعام واحد أو حبّة سحرية يمكنها ضمان الوقاية من التراجع الإدراكي. والأهم، بحسب التوجّهات الغذائية التي تدعمها الأبحاث، هو اتباع نمط غذائي صحي ومتوازن يحتوي على مجموعة متنوّعة من الخضار والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، مع اختيار مصادر صحية للبروتين، مثل الأسماك والمصادر النباتية، واستبدال الدهون المشبّعة بالدهون الصحية، مثل زيت الزيتون. ومن اللافت أن العديد من الأطعمة التي تدعم صحة الدماغ هي نفسها التي تساعد في الحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية، ما يعكس الترابط الوثيق بين صحة القلب وصحة الدماغ.


أطعمة تدعم صحة الدماغ

*الخضار الورقية الخضراء: مثل السبانخ والكرنب والبروكولي، وهي غنية بعناصر غذائية مثل فيتامين K واللوتين والفولات والبيتا كاروتين. وتشير الأبحاث إلى أن تناول هذه الخضار قد يساعد في إبطاء التراجع الإدراكي.

*الأسماك الدهنية: تُعد مصدرًا غنيًّا بأحماض أوميغا-3 الدهنية، وهي دهون غير مشبعة ارتبطت بصحة الدماغ. ويُنصح بإدخال الأسماك ضمن النظام الغذائي بانتظام، مع اختيار الأنواع الأقل احتواء على الزئبق. ومن الأمثلة: السلمون وسمك القد والتونة الخفيفة المعلّبة.

*التوت والفواكه الغنية بالفلافونويدات: تحتوي أنواع التوت على مركّبات نباتية تمنحها ألوانها المميزة، وقد ارتبط استهلاكها، في بعض الدراسات، بدعم الذاكرة. لذلك، يمكن أن يكون إدخال الفراولة والتوت الأزرق وغيرها ضمن نظام غذائي متوازن خيارًا جيدًا.

*الشاي والقهوة: يمكن للكافيين الموجود في القهوة والشاي أن يدعم التركيز على المدى القصير، وتشير بعض الأبحاث إلى ارتباط استهلاك الكافيين بأداء أفضل في بعض اختبارات الوظائف العقلية، كما دُرست إمكانية تأثيره في تثبيت الذكريات الجديدة.

*الجوز: يُعد الجوز مصدرًا جيّدًا للبروتين والدهون الصحية، كما يحتوي على حمض ألفا-لينولينيك (ALA)، وهو أحد أحماض أوميغا-3 النباتية. وقد ربطت بعض الأبحاث بين زيادة استهلاك الجوز وتحسّن نتائج بعض الاختبارات الإدراكية.

في الخلاصة، صحة الدماغ ليست نتيجة تناول طعام واحد، بل هي انعكاس لمجموعة متكاملة من العادات الغذائية وأنماط الحياة. فالنظام الغذائي المتنوّع والغني بالخضار والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، إلى جانب الأسماك والدهون الصحية، يمكن أن يكون جزءًا مهمًّا من استراتيجية الحفاظ على صحة الدماغ. كما أن النوم الكافي والنشاط البدني والعادات اليومية الصحية، إلى جانب الاهتمام بالصحة النفسية، تكمل الصورة. والأهم هو النظر إلى التغذية بوصفها استثمارًا طويل الأمد في صحة الجسم والدماغ معًا، بدلا من البحث عن "طعام سحريّ" واحد يحل جميع المشكلات.

www.dietcenterleb.com

[email protected]

Instagram: dietcenterleb

LinkedIn: Diet Center Lebanon