لم تكن زيارتنا إلى روما مجرد مشاركة في ندوة أكاديمية عن لبنان، ولم تكن سلسلة لقاءات بروتوكولية مع شخصيات سياسية ودبلوماسية ودينية. بالنسبة إلينا، كانت محاولة لإيصال صوت لبناني مختلف إلى الخارج، في لحظة يُعاد فيها طرح السؤال الأساسي: أي لبنان نريد بعد كل ما أصاب الدولة والمجتمع من حروب وانهيارات وانقسامات؟
في الثامن من أيلول 2026، استضافت جامعة LUISS الإيطالية في روما، من خلال مركز الأبحاث للدراسات الدولية والاستراتيجية، ندوة نظمها مركز COSMO Monitor برعاية مؤسسة Med-Or Italian Foundation، تحت عنوان: «لبنان في مرحلة انتقالية: رؤى حول مستقبل البلاد».
العنوان لم يكن أكاديمياً فقط. لبنان بالفعل أمام مرحلة انتقالية، وربما أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه الحديث.
السؤال لم يعد فقط كيف نخرج من أزمة اقتصادية، أو كيف نعيد إعمار ما دمرته الحروب، أو كيف نعيد تشغيل مؤسسات الدولة. السؤال أصبح أعمق: هل يستطيع لبنان أخيراً الانتقال من دولة التسويات والمحاصصة وموازين القوى إلى دولة الدستور والمؤسسات والسيادة؟
شارك في الندوة إلى جانبي الصحافي ورئيس تحرير موقع "جنوبية" علي الأمين، والدكتور وجيه قانصوه، والشيخ محمد علي الحاج العاملي، فيما شارك عبر تقنية الاتصال الدكتور داوود رمال والعميد المتقاعد خليل حلو. وأدار الحوار الدكتور بيرنار خوري، رئيس مركز COSMO Monitor، بحضور أكاديمي ودبلوماسي ضم أساتذة وطلاباً وممثلين عن عدد من السفارات العربية والدولية، إضافة إلى سفيرة لبنان لدى إيطاليا كارلا جزّار.
لكن القيمة الأساسية لهذا اللقاء لم تكن في الأسماء ولا في المكان، بل في الرسالة.
لقد أردنا أن نقول بوضوح إن لبنان ليس محكوماً إلى الأبد بالمعادلات التي أوصلته إلى ما هو عليه اليوم، وإن داخل البيئات اللبنانية المختلفة، وداخل البيئة الشيعية تحديداً، أصواتاً ترفض أن تتحول الطائفة إلى هوية سياسية مغلقة، أو أن يُختصر تمثيلها بحزب أو ثنائي أو سلاح أو ارتباط إقليمي.
ومن هنا كانت العبارة التي حملناها معنا إلى روما:
نحن لبنانيون قبل أن نكون شيعة.
هذه العبارة ليست تنكراً لهويتنا الدينية أو الاجتماعية، وليست دعوة إلى إلغاء الطوائف أو الخصوصيات. على العكس، لبنان قام تاريخياً على التنوع، وهذا التنوع أحد عناصر فرادته.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن تكون الطائفة جزءاً من هويتك، وبين أن تصبح بديلاً عن وطنك.
نحن شيعة، نعم. لكننا لبنانيون أولاً. والدولة اللبنانية هي مرجعيتنا السياسية والدستورية. وقرار الحرب والسلم يجب أن يكون قرارها. والسلاح الشرعي يجب أن يكون سلاحها. والسياسة الخارجية يجب أن تصنعها مؤسساتها، لا أن تُفرض عليها من أي عاصمة أو محور أو مشروع إقليمي.
وهذه القاعدة لا تخص الشيعة وحدهم.
نريد لبنانياً قبل أن يكون شيعياً، ولبنانياً قبل أن يكون سنياً، ولبنانياً قبل أن يكون مارونياً أو أرثوذكسياً أو درزياً.
لأن التجربة أثبتت أن الطائفة لا تستطيع حماية أبنائها عندما تسقط الدولة. قد تمنحهم شعوراً مؤقتاً بالقوة، وقد تنتج زعامة أو حزباً أو ميليشيا، لكنها لا تستطيع بناء اقتصاد أو قضاء أو جامعة أو جيش أو دولة حديثة.
الدولة وحدها تحمي الجميع.
من الجامعة إلى الفاتيكان
لهذا السبب لم تتوقف الزيارة عند حدود النقاش الأكاديمي.
انتقل الحوار إلى دولة الفاتيكان، حيث التقينا أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين.
كان مهماً بالنسبة إلينا أن يصل إلى الفاتيكان هذا الصوت اللبناني تحديداً: صوت لبنانيين من البيئة الشيعية يقولون إنهم لا يريدون تغيير صيغة لبنان، بل حمايتها؛ ولا يريدون إسقاط العيش المشترك، بل إعادة الاعتبار إليه؛ ولا يبحثون عن غلبة طائفة على أخرى، بل عن دولة تستطيع أن تكون مظلة لجميع أبنائها.
لبنان ليس مجرد مجموعة أقليات خائفة تبحث كل واحدة منها عن حامٍ في الخارج.
هذه ربما كانت واحدة من أخطر المعادلات التي حكمت تاريخنا.
المسيحي الذي يبحث عن حماية خارج الدولة، والمسلم الذي يبحث عنها خارج الدولة، والشيعي أو السني أو الدرزي الذي يعتقد أن ارتباطه بقوة إقليمية يمنحه ضمانة أكبر من وطنه، يساهم ـ بقصد أو من دون قصد ـ في إضعاف الشيء الوحيد القادر على حماية الجميع: الدولة اللبنانية.
وفي اللقاء مع الكاردينال بارولين كان واضحاً بالنسبة إلينا أن أهمية لبنان بالنسبة إلى العالم لا تكمن في حجم أرضه أو عدد سكانه أو قدراته العسكرية، بل في معنى وجوده.
لبنان هو تجربة في العيش المشترك بين جماعات مختلفة، وإذا انهارت هذه التجربة أمام مشاريع الفصل والغلبة والهويات المغلقة، فإن الخسارة لن تكون لبنانية فقط.
في البرلمان الإيطالي: السيادة ليست شعاراً
وشملت الجولة كذلك مجلس النواب الإيطالي، حيث أتيحت لنا فرصة توسيع النقاش مع شخصيات سياسية حول مستقبل لبنان وموقعه في التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط.
وهنا أيضاً كان لا بد من التأكيد على مفهوم كثيراً ما نردده في لبنان حتى كاد يفقد معناه: السيادة.
السيادة ليست خطاباً.
لا تستطيع دولة أن تقول إنها سيدة إذا كان قرار الحرب والسلم موزعاً بينها وبين تنظيم مسلح.
ولا تستطيع أن تكون سيدة إذا كانت حدودها أو سياستها الخارجية أو خياراتها الاستراتيجية خاضعة لموازين قوى خارج مؤسساتها.
ولا يمكن بناء دولة حقيقية إذا كان الدستور يُطبّق عندما يخدم القوى السياسية ويُعلّق عندما يتعارض مع مصالحها.
لهذا فإن النقاش حول مستقبل لبنان لا يمكن اختصاره بشخص أو حزب أو طائفة. المشكلة أعمق من ذلك: إنها مشكلة نظام سياسي سمح للمحاصصة بأن تصبح أقوى من المؤسسات، وللزعامات بأن تصبح أقوى من القانون، وللسلاح بأن يصبح في مراحل معينة أقوى من الدولة.
لسنا مشروع مواجهة شيعية ـ شيعية
ومن الضروري أيضاً إزالة التباس آخر.
عندما يخرج صوت مستقل من داخل البيئة الشيعية، يسارع البعض إلى وضعه في خانة «المعارضة الشيعية» وكأن المطلوب إنشاء ثنائية جديدة داخل الطائفة: شيعة في مواجهة شيعة.
هذا ليس مشروعنا.
نحن لا نريد استبدال احتكار باحتكار، ولا ثنائياً بثنائي مضاد.
القضية ليست من يمثل الشيعة، بل كيف يصبح الشيعة، مثل سائر اللبنانيين، مواطنين كاملي الحقوق داخل دولة كاملة السيادة؟
معركتنا ليست على زعامة الطائفة.
معركتنا من أجل الدولة.
ولهذا فإن الحل للمسألة الشيعية في لبنان لا يمكن أن يكون شيعياً فقط. كما أن المسألة المسيحية أو السنية أو الدرزية لا يمكن حلها داخل حدود كل طائفة.
المشكلة وطنية، والحل يجب أن يكون وطنياً.
لبنان ليس ساحة
هذا ما حملناه معنا إلى روما.
لبنان الذي نريده ليس منصة للصراع بين إيران وإسرائيل، ولا ورقة في مفاوضات القوى الإقليمية، ولا ساحة لتصفية الحسابات بين الشرق والغرب.
ولا نريده أيضاً دولة خاضعة للخوف، حيث كل طائفة تخشى الأخرى فتبحث عن السلاح أو الخارج.
نريده بلداً طبيعياً.
دولة واحدة.
جيشاً واحداً.
قراراً واحداً في الحرب والسلم.
قضاءً مستقلاً.
مؤسسات لا تقوم على المحاصصة.
ودستوراً يُطبّق على الجميع.
هذا ليس حلماً رومانسياً ولا مشروعاً مثالياً مستحيلاً. إنه الحد الأدنى المطلوب لبقاء لبنان.
لقد دفع اللبنانيون ثمناً هائلاً لكل المشاريع التي أرادت أن تجعل من وطنهم شيئاً آخر: ساحة، جبهة، صندوق بريد، دولة حاجزة، ورقة تفاوض أو امتداداً لمحور.
ربما حان الوقت لتجربة فكرة أبسط بكثير:
أن يكون لبنان لبناناً فقط.
وأن يكون اللبناني مواطناً قبل أن يكون عضواً في طائفة.
من جامعة LUISS إلى البرلمان الإيطالي، ومن النقاشات السياسية إلى الفاتيكان، كانت الرسالة التي حاولنا إيصالها واحدة:
هناك لبنان آخر غير الصورة التي صنعتها الحروب والميليشيات والفساد والمحاصصة.
هناك لبنانيون ما زالوا يؤمنون بأن العيش المشترك ليس تسوية اضطرارية، بل قيمة يجب الدفاع عنها.
وهناك شيعة يقولون بلا تردد إن هويتهم الوطنية لا تحتاج إلى إذن من أحد، وإن لبنانيتهم ليست موقفاً سياسياً ظرفياً.
نحن لبنانيون قبل أن نكون شيعة.
ونريد وطناً لا يحتاج فيه المسيحي إلى الخارج ليحميه، ولا المسلم إلى سلاح ليطمئن، ولا أي طائفة إلى دولة أخرى لكي تشعر بالقوة.
نريد الدولة هي التي تحمي الجميع.
هذا هو لبنان الذي حملناه إلى روما.
وهذا هو لبنان الذي يستحق أن نحمله إلى العالم:
لبنان الدولة، لبنان السيادة، لبنان الحرية، ولبنان الرسالة